طريق التوابل في مواجهة طريق الحرير.... خطة من الماضي لترسيخ قواعد النظام العالمي
في التاسع من سبتمبر 2023، وفي خضم أعمال قمة الدول العشرين الكبرى التي استضافتها الهند، اتفقت الهند والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية على تدشين محور اقتصادي يبدأ من موانئ الهند الغربية مرورا بالخليج العربي ثم يشق الجزيرة العربية من ممر الغويفات الحدودي بين الإمارات والسعودية وصولا إلى الحدود السعودية الأردنية ثم إلى إسرائيل وصولا إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط وصولا إلى الموانئ الأوروبية في اليونان وإيطاليا ثم فرنسا.
العودة إلى عالم ماركو بولو
منذ تولى تشي جين بينج مقاليد الأمور في الصين في 2013، بدى الرجل أكثر تحمسا لاستغلال النجاحات الاقتصادية التي حققتها الصين في الفترات السابقة في البدء في خلق عالم جديد يتوائم مع تطلعات الصين. وكان الحل لدى مفكري الحزب يكمن في العودة إلى التاريخ لاستقرائه واستنطاقه وقراءة أسباب ازدهار الامبراطوريات الصينية في الألف عام الماضية على الأقل، وكان ذلك منبع فكرة مبادرة الحزام والطريق أسوة بطريق الحرير الذي شكل علامة فارقة على الثراء والازدهار الصيني في القرون الوسطى.
عبر الأعوام الماضية، قامت الصين باستثمار مئات المليارات من الدولارات وأنشئت هيئات حكومية لإدارة وتوفير وتمويل البنى التحتية اللازمة لتنفيذ هذه الخطة الطموحة والتي ترمي بشكل أساسي في نهاية المطاف إلى تغيير قواعد النظام الدولي التي تكبل الصين ولا تتوائم بقدر كبير مع قناعات وأفكار القيادة الصينية.
وطوال الوقت، تضع الولايات المتحدة وحلفائها العراقيل أمام تنفيذ هذه المبادرة الطموحة لاسيما العرقلة الدائمة للجهود الصينية للسيطرة على بحر الصين الجنوبي الذي يعبره أكثر من نصف التجارة الدولية والسيطرة عليه هي بمثابة إعلان نظام عالمي جديد. لكن بكين تحاول دوما إيجاد الحلول لهذه المعضلة حيث تقوم الآن وبشكل تدريجي بتوسيع تواجدها في خليج البنغال عبر تعميق العلاقات الاستراتيجية مع ميانمار وبنجلاديش وتقوم الآن بتعديل مسارات بعض السكك الحديدية من شرق ووسط الصين باتجاه الموانئ الشرقية على بحر الصين الجنوبي والشرقي إلى الاتجاه جنوبا حيث موانئ ميانمار وبنجلاديش على خليج البنغال ليكون خليج البنغال نقطة انطلاق كبرى لخطة الحزام البحري التي كان يفترض أن تبدأ من بحر الصين الجنوبي ولكن هذه خطة بديلة حتى يتم حسم النزاع على بحر الصين الجنوبي. وهذا الانتشار الصيني المطرد في خليج البنغال يقابله انتشار عسكري واستخباراتي هندي مكثف تم رصده في ورقة نشرتها آنفا بعنوان (دور البحرية الهندية في إطار استراتيجية الإندوباسيفيك).
لذلك فإن القيادة الصينية الحالية فيما يبدو أنها مقتنعة بشكل كبير في صلاحية (الماكيندرية الجديدة) كاستراتيجية عظمى للانتشار خارج الطوق الأمريكي المفروض عليها في الباسيفيك واستغلال طريق الحرير القديم عبر تفعيل الخطة البرية في المبادرة. لكن مسار طريق الحرير أصبح مفخخا مع اندلاع الحرب الأوكرانية حيث يواجه صعوبات في القطاعين الأكثر أهمية على طول الطريق وهم قطاعي وسط آسيا الذي يمر بتحولات سياسية عميقة خصوصا باكستان وأفغانستان والقطاع الأوروبي الذي شهد شبه انقطاع للحركة الصينية بسبب الحرب الأوكرانية وتأثيراتها على دول آسيا الوسطى والقوقاز وخلافه.
طريق التوابل في مواجهة طريق الحرير
كل هذه المحاولات لم تثني الصين عن الاستمرار في خطتها الطموحة تلك. ويمكن القول أن هذه المبادرة الصينية، برغم ما واجهتها من مشكلات، إلا أنها استطاعت تغيير قدر كبير من الأوضاع الدولية الراهنة وأهم تلك التغييرات ما يتصل بفتح النافذة مجددا للماضي والاغتراف من خططه وأحداثه.
وبالمثل، فإن استدعاء شطر من التاريخ يجلب الشطر الآخر، أو هكذا يفكر مخططي السياسة الدولية. فكما كان طريق الحرير طريقا مهما في التجارة الدولية في القرون الوسطى، إلا أنه لم يكن الطريق الوحيد. فقد كانت هناك ثلاث طرق أساسية تشكل عصب التجارة الدولية في القرون الوسطى هي:
-
طريق الحرير (بين أوروبا والصين عبر آسيا الوسطى)
-
طريق التوابل (بين أوروبا ودول المحيط الهندي من سومطرة وحتى شرق أفريقيا عبر الجزيرة العربية وشمال أفريقيا)
-
طريق الفراء (بين أوروبا وشرقي روسيا وسهول منشوريا)
ويمكن القول بأن طريق التوابل كان في فترات كثيرة أهم طرق التجارة العالمية ولطالما نسجت الألغاز والقصص الأوروبية حوله. وعلى الرغم من تركيز هذا الطريق على الوجهة الهندية، إلا أنه كان يمتد في أحيان كثيرة إلى أرخبيل سومطرة وأحيانا إلى شرق أفريقيا.
وكان هذا الطريق هو الذي فتح أعين الأوروبيين في وقت مبكر على حجم الثروات التي تزخر بها هذه البلاد حتى بدء الاحتلال البرتغالي والهولندي لسومطرة وجاوة عبر شركتي الهند الشرقية والغربية الهولنديتين وصولا إلى الاحتلال الانجليزي للهند عبر شركة الهند الشرقية ثم إعلان الحماية في نهاية القرن الثامن عشر.
طريق التوابل مجددا... لماذا؟
من نافلة القول أن المحور الاقتصادي الهندي الأوروبي IMEC لم يكن وليد الصدفة أو فيض خواطر الزعماء المجتمعين في نيودلهي فهذه ليست الطريقة التي تتشكل بها التحالفات والمحاور الجيوسياسية عادة.
فهنالك أحلاف تتبلور بين فينة وأخرى كثير منها برعاية أمريكية؛ وهي تحالفات بعضها يركز على مواجهة المشروع الصيني كتلك التحالفات المنعقدة حديثا في شرق آسيا أو في منطقة جزر المحيط الهادئ والبعض الآخر يركز على المبادرات الجيوسياسية كوسيلة في تحفيز حالة النمو المحلي نحو آفاق أفضل لاسيما بعد الآثار المدمرة لجائحة كورونا والحرب الأوكرانية على الاقتصاد العالمي والتي أضافت مزيدا من الزيت على نار الركود العالمي المستمر منذ أعوام.
وفي اعتقادي أن السببين ينطبقان على حالة المحور الهندي الأوروبي. ورغم وجود دول تتمتع بعلاقات متميزة مع الصين في هذا المحور، إلا أن هذا المحور يبني النموذج الذي لن يستدعي المواجهة مع الصين لكنه، فضلا عن ذلك، سيساهم في الخنق التدريجي للصين والاستئثار بقدر كبير من الكعكة الصينية في التجارة الدولية.
وهو ما يعني استغلال للجيوبوليتيك في تحفيز النمو الدولي مجددا... لكن بدون الصين.
فالهند تحتاج لكي تحقق هدفها الاستراتيجي القريب بالقفز بناتجها المحلي فوق ألمانيا واليابان إلى آفاق وأسواق جديدة، كما أن أوروبا تحتاج لشريك تجاري يعتمد عليه بديلا عن الصين التي تحتاج أوروبا إلى التخفف في العلاقات معها حسب النصائح الأمريكية المتكررة. وكذلك فإنها ستكون في حاجة ملحة لوفرة من الهيدروجين الأخضر أو وسائل الطاقة الأخرى حتى تتمكن من تحقيق الاستقلال التام المستدام في محور الطاقة.
في هذه الحالة، يأتي دور الشرق الأوسط الذي يعتبر أكبر من كونه ممر استراتيجي لهذا المحور. فالدول التي يمر بها المحور لديها الكثير لتقدمه لطرفي المحور (الهند وأوروبا) سواءا من مواد نفطية أو تكنولوجيا متقدمة. كما أن خطة مد البنية التحتية للتكنولوجيا والاستثمار (الهيدروجين الأخضر أو الاتصالات فائقة السرعة) ستقوم بتحفيز النمو داخل تلك الدول وربطها ببعضها على نحو قوي. كما أن وجود الولايات المتحدة كشريك وراعي لذلك الاتفاق يضمن عدم حيود هذا المحور عن الاستراتيجية الأمريكية التي حددتها استراتيجية الأمن القومي الأخيرة وهي توسيع الشراكات ومواجهة الصعود الصيني.
كيف تم الوصول لصيغة المحور الحالية؟ وآثاره على البيئات الاقليمية والدولية؟
من المفيد القول بأن هذا المحور يسير وفقا لنموذج التحالفات المصغرة على الرغم مع عدد أطرافه الكثيرة. فهذا المحور يقوم على محاور فرعية مقسمة حسب الطريق ذاته. فهناك الطريق الهندي الشرق أوسطي وكذلك الطريق الأوروبي الشرق أوسطي.
الضمانة الرئيسية لاستمرار التحالف تحت هذا المحور هي العلاقات المتشابكة بين الدول الأعضاء من التنمية وحتى الأمن والدفاع، وهذا ما تم البدء فيه منذ فترة ليست بالبعيدة. حيث سبق تدشين هذا المحور خطوات ومحاولات ومبادرات بدأت صغيرة وكبرت حتى أصبحت تشكل النواة والدفعة الرئيسية لتدشين هذا المحور ومن بين تلك المبادرات تأتي مجموعة I2U2 التي تضم أربعا من أهم دول محور IMEC وهي الهند والإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة.
وقد تمت الإشارة إلى أن هذه المجموعة ستكون نواة لتدشين محور هندي عربي متوسطي كنقطة محورية من نتائج الورقة التي قمنا بإعدادها حول مجموعة I2U2 في أبريل الماضي بعنوان: (تحالف I2U2 نموذجا… المشروعات الجيو-اقتصادية في غرب آسيا كأداة لملء الفراغ الاستراتيجي)
وعلى مثل مجموعة I2U2، توجد مجموعات ومبادرات أخرى تم تدشينها بين الإمارات والهند وفرنسا وكذلك السعودية والأردن من ناحية وإسرائيل وقبرص واليونان ثم إيطاليا والهند والإمارات خلال عامي 2022 و2023 فقط.
هذه المجموعات وهذه الحالة من التعاون بين دول محور IMEC ووجود الرعاية الأمريكية لهذه المبادرات من شأنها أن تؤدي إلى تعميق دور هذا المحور ككتلة فاعلة في السياسة الدولية في الأعوام القادمة مع احتمال كبير بأن يتم التوسع في الجانب الدفاعي لاحقا.
احتمالات تأثير المحور على التجارة الدولية عبر قناة السويس
فيما يتعلق بتأثير ذلك المحور على حركة التجارة الدولية عبر قناة السويس، فمن المهم فهم آلية عمل هذا المحور وأولوياته. ففيما أتيح من بيانات حتى الآن، فإن التركيز سيكون على نقل الهيدروجين الأخضر وبناء اتصالات فائقة السرعة وكذلك تدعيم الأمن الغذائي وأمن الطاقة والتنمية والبيئة المستدامة.
وهذا يعني أن حركة التجارة الدولية العابرة لقناة السويس قد تتأثر في غضون الخمس سنوات المقبلة بشكل أو بآخر.
لكن لا تزال توجد شكوك كبيرة حول إمكانية أن تتأثر حركة نقل البضائع بسبب الصعوبات اللوجستية الكبيرة للنقل عبر دول المحور، وخصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن حركة نقل البضائع تشكل قرابة 60% من حركة النقل عبر القناة حسب تقارير الحركة في 2022.
لكن المؤكد أن هذا المحور هو مبادرة ولدت لتبقى وتزدهر ويجب أخذها بعين الاعتبار لما سيكون لها من آثار مركبة على البيئة الاستراتيجية الإقليمية والدولية.
التعليقات (1)
Quia iure qui labore
اترك تعليقاً