الخميس، مايو 28، 2026
الحرب البديلة: أجيال الحرب والتكنولوجيا تنحت عالما جديدا
تقديرات / موجزات استراتيجية

الحرب البديلة: أجيال الحرب والتكنولوجيا تنحت عالما جديدا

الحرب البديلةأجيال الحرب والتكنولوجيا تنحت عالما جديدا 

(ورقة منشورة مع مؤسسة ذات مصر للدراسات والأبحاث 2021) 

 

تعتمد كثير من نظريات العلاقات الدولية على مفتاح القوة باعتباره العنصر الفاعل في مسار التاريخ البشري ومسيرته. ويرى كثير من مفكري الاستراتيجيات العظمى والشئون الدولية بأن الحروب هي المفتاح الرئيسي في تحولات المنظومات الدولية السابقة ويؤيدهم في ذلك أدلى تترى من التاريخ الحديثلكنه مع تطور المجتمعات وانهيار اتجاهات هندسة التغيير المحسوب Calculated Change، تم اللجوء لنمط الحروب غير التقليدية UW، التي تأتي في إطار ما يعرف بالجيل الرابع من الحروب 4GW، بسبب صعوبة خيار الحروب التقليدية لاسيما بعد الخسائر الضخمة التي لحقت بالاقتصاد الدولي شديد الترابط جراء حربي العراق وأفغانستان ولأسباب أخرى تتعلق بتحولات النظام الدولي الحالية. ومع بعض من التأمل للحروب غير التقليدية نرى أنها تعود إلى حقب تاريخية أقدم كثيرا من أيامنا المعاصرة وليست وليدة صراعات الحاضر. 

أجيال الحروب والثورات الصناعية 

بدأت موجة الحروب غير التقليدية في العصر الحديث مع منتصف القرن الثامن عشر وبشكل أساسي في أمريكا الشمالية والجنوبية حيث حروب العصابات (أو حروب الاستقلال كما سميت بعد ذلك) والحروب الأهلية فيما بعد ذلك والتي جرت بين القوات البريطانية والفرنسية والأسبانية والقوات الأمريكية والسكان الأصليين. وبالنظر في أجيال الحروب الأربعة، وجد أن ثمة رابط يربط بين التطور الحاصل في شكل الحرب والثورات الصناعية من جهة أخرى، بل ربما تكون الثورات الصناعية هي المحرك الرئيس لتغير شكل الحروب. فرغم أن الثورة الصناعية الأولى (الثورة البخارية) لم تغير بشكل واضخ في شكل حروب الجيل الأول 1GW التقليدية (ذات الجيوش النظامية)، إلا إن الثورة الصناعية الثانية (الثورة الميكانيكية) أثمرت بشكل كبير في بزوغ وازدهار حروب الجيل الثاني  2GW(حرب العصابات) حيث أن الميكنة أدت لتحول ضخم في أدوات الإنتاج ووسائله مما أدى بالضرورة إلى تغير في السلاسل والتوزيع وهو ما عظّم من فرص القوات غير النظامية في الحصول على السلاح بشكل أو بآخر على اتساع خطوط الإنتاج تلك. 

كذلك فإن هنالك ارتباطا وثيقا بين الجيل الثالث من الحروب وهو حروب البرق  3GW(الحروب الخاطفة Blitzkriegوالثورة الصناعية الثالثة (الثورة الكهربية) في الربع الثاني من القرن العشرين وهو ما ساعد قوات الرايخ الثالث على شن حروب البرق هذه في الحرب العالمية الثانية واحتلت سبع دول أوروبية في أسابيع معدودة بسبب تطور نظام منظومة القيادة والسيطرة لدى الجيش الألماني وكذلك التطور النوعي في مشاريع الصواريخ والدبابات الألمانية. 

بالمثل، فإن ما يسمى بحروب الجيل الرابع 4GW مرتبط ارتباط وثيق بالثورة الصناعية الرابعة Industry 4.0 (ثورة الاتصالات)، حيث استفادت العصابات والجماعات المتطرفة حول العالم من الثورة الاجتماعية والتكنولوجية والاقتصادية التي أسستها العولمة مع بداية التسعينيات من القرن الماضي. ولن نكون مبالغين إذا قلنا إن تلك التيارات استفادت من هذه الأدوات في إدارة صراعاتها أفضل من الدول وهو ما أدى وبشكل واضح لتطور عمليات القتال والحشد والتجنيد الخاصة بها عبر الأعوام الماضية. 

وتنتمي حروب الجيل الرابع إلى سلسلة الحروب اللاتناظرية غير التقليدية UAW. وحيث أن النظام الدولي الحالي لا زال نظام تتحكم فيه الدول بشكل أساسي، لذا فإنه لايسمح بوجود أقطاب قوى من غير الدول تحدد المصير الدولي وهناك حملات مستمرة لتحجيم أدوار الفاعلين المسلحين أو السلميين من غير الدول من وقت لآخر بإرادة دولية مشتركة في أغلب الأحيان من أجل هذا الغرض: وهو أن تظل الدول هي صاحبة السيادة والسيطرة والهيمنة. لذا، فإن القوى المسلحة الفاعلة من غير الدول VNSA لا توجد أمامها فرص سوى تحديد تبعيتها لإحدى دول الهيمنة الإقليمية أو الدولية لا أكثر من هذا. وحيث أن تلك الحركات والجماعات المسلحة أصبحت عنصرا أصيلا في التخطيط والتكتيك والتنفيذ في ميادين المعارك بسبب خبراتها المتراكمة ووجود التدريب والإمداد والتموين اللازم من قبل شركائها الاستراتيجيين، فلم يعد بالإمكان الحديث عنهم كوكلاء في حروب الوكالة Proxy Wars التي عادة ما تقود الدفة فيها القوى المهيمنة. لكن هذا النمط الجديد من الحروب غير التقليدية أصبح يعرف بحروب الإنابة أو الحروب البديلة Surrogate Warfare ويطلق على القوات المشاركة في هذا النوع من الحروب بالقوات البديلة Surrogate Forces. وهيكل القوات البديلة يتغير وفقا لطوبوغرافيا المعارك ودقة الظرف الدولي والإقليمي المحيط بها فقد يكون خليط من قوات النخبة والميليشيات المسلحة أو قوات نخبة فقط أو مليشيات مسلحة فقط. 

 

حروب الإنابة: المصطلح والبنية العسكرية 

في بحث نشرته كلية الحرب البحرية التابعة للجيش الأمريكي، يعرّف آلان داي - جنرال القوات الجوية الأمريكية المتقاعد حروب الإنابة هي "عملية عسكرية كبيرة ينتظم في إطارها علاقة وظيفية بين جيش نظامي / مجموعات عمليات نظامية وقوات غير نظامية / ميليشاوية بحيث تقوم الأخيرة بأدوار موكلة إليها بما يتماشى مع مبادئ تنظيم القوات المشتركة."1 ويشير هذا الوصف (بديلة) لوصف تلك القوات باعتبارها قوات غير نظامية مشكلة لغرض ما Ad Hoc Forces لكنها تسير وتدار عبر مصفوفة قيادة وسيطرة لجيش نظامي مثل القوات النظامية ويشارك في هرمية تلك القوات البديلة أفراد من الجيش النظامي / مجموعات العمليات النظامية (كمكاتب الاستخبارات) لتولي أعمال التدريب والاتصالات والقيادة والسيطرة والتحكم.  

وفي إطار هذا الشكل من الحروب، يتم تبني بعض الاستراتيجيات العسكرية مثل استراتيجيات حرب المدن وحرب العصابات لكن أكثر تلك الاستراتيجيات استخدامًا في هذا النوع من الحروب هي استراتيجية العمليات الخاصة. لذا، فإن القوات المعنية بالتواصل مع هذه المجموعات التي يتم انتقاؤها من القوات البديلة Surrogate Forces والتعاون معها هي قوات النخبة مثل كتيبة القوات الخاصة الميدانية الأولى والمعروفة باسم قوة الدلتا Delta Force (نخبة القوات الخاصة الأمريكية والمعروفة باسم القبعات الخضر Green Berets). وعلى رأس قوات النخبة كذلك قوات البحرية الأمريكية الخاصة (المعروفة باسم فقمات البحرية Navy SEALS) والقوات الجوية البريطانية الخاصة Special Air Service (SAS)وكذلك إلى جانب قوات النخبة والعمليات الخاصة، يتم اللجوء لأفراد العمليات السرية وخبراء الاتصالات في أجهزة الاستخبارات لإدارة مثل هذه القوات البديلة إذا كانت المهمة الأساسية مهمة استخباراتية تميل في طبيعتها ناحية الاتصال أكثر من العمل العسكري (كما في الحالة الأفغانية). 

تتسم البنية العسكرية للجيوش الحديثة بوجود قوات خاصة مسئولة عن العمليات الخاصة للدول حيث يعتبر وجود مثل هذه القوات أمر جوهري يمس مسألة السيادة والسيطرة لأي دولة مهما كان حجمها وحجم مواردها وقدراتها وكذلك من طبائع المنظومة الدولية الحالية، لاسيما فيما يتعلق بالانتشار الأفقي للسلاح العادي والنوعي والذي يهدد به اللاعبين المسلحين من غير الدول VNSA أو ما تسمى في المصطلح الأمريكي بتنظيمات التطرف المسلح VEO كيانات الدول وسيادتها ووحدتها.   

وأكثر الدول اهتمامًا بهذه القوات وهذه الاستراتيجية هي الولايات المتحدة الأمريكية. حيث يبلغ تعداد القوات الخاصة الأمريكية بكل تفرعاتها قرابة 70 ألف فرد تنظمهم القيادة الموحدة للعمليات الخاصة USSOCOM وهي قيادة نوعية وقائدها أحد أعضاء هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي وتشرف على قيادات العمليات الخاصة في كافة أذرع القوات المسلحة الأمريكية كقيادة العمليات الخاصة في القوات البرية الأمريكية (USASOC) وقيادة العمليات الخاصة في القوات الجوية الأمريكية (AFSOC) وقيادة العمليات الخاصة التابعة للقوات البحرية الأمريكية (NSOC) ما عدا مشاة البحرية الأمريكية فليس من مهامها ما يستلزم وجود عناصر عمليات خاصة تابعة لها. وتتكون القيادة المشتركة لقوات العمليات الخاصة الأمريكية JSOC من قادة وحدات العمليات الخاصة في الأذرع الأربعة سالفة الذكر، حيث يناهز عدد الوحدات والكتائب العسكرية التابعة للقيادة المشتركة للعمليات تسعون وحدة على رأسها الكتيبة الميدانية الأولى للعمليات الخاصة (قوة الدلتا) والفرقة 75 جوالة استطلاع وسرب التكتيكات الخاصة 24 المجوقل التابع للقوات الجوية الأمريكية الخاصة ومجموعة تطوير القتال التابعة للبحرية الأمريكية NSWDG. 

وعلى الرغم من اتساع حجم القوات الخاصة الأمريكية، إلا أن أحداث وعمليات كثيرة كشفت حجم الهالة التي صنعها الأمريكيون حول قواتهم الخاصة مثل عملية مخلب النسر (Operation Eagle Claw) لتحرير رهائن السفارة الأمريكية في طهران وعملية الأفعى القوطية (Operation Gothic Serpent) التي تحولت فيما بعد لمعركة مقديشو 1993 أو ما عرف بعد ذلك بعملية البلاك هوك. فعلى سبيل المثال، تعتبر القوات الجوية البريطانية الخاصة SAS من أفضل القوات الخاصة المحمولة جوا ولديها سجل قوي حافل بالبطولات والنجاحات، في حين تعتبر القوات البحرية الخاصة في الجيش الفرنسي صاحبة أداء جيد وسمعة قوية. لكن ما يميز الأمريكيون دومًا في كل أعمالهم الحربية: كثافة القوات والتكنولوجيا؛ وهما عاملين يندر أن يجتمعان في قوة أخرى خاصة غير القوات الخاصة الأمريكية.  

 

حروب الإنابة والقوات البديلة في استراتيجيات القوى العظمى 

في البيئة العولمية الحالية، لم تعد يد الدول طليقة في شن الحروب أو فتح أبواب لصراعات عسكرية إقليمية أو متعدية للإقليم بسبب الطبيعة الترابطية المركبة للنظام الدولي الحالي.2  ورغم ذلك، فإن القدرات التقليدية للدول على شن الحروب لم تعد فعَالة. لذا، فإنه منذ بدايات القرن الحادي والعشرين بدأ التفكير في الحروب غير التقليدية كطريقة لحفظ الدول حقوقها في المبادرة وإرباك الخصوم على نحو يتواكب مع روح العصر. 

لذا، فقد نصت كثير من الاستراتيجيات العسكرية الدول العظمى على الأقل على مبدأ المرونة تجاه الطرق والوسائل الدفاعية للدفاع عن مقدراتهم القومية. وكل الأحاديث عن المرونة وتنويع القوات واعتماد العمليات المشتركة والتعاون مع المحليين وتدريبهم هي من قبيل اعتماد الحروب غير التقليدية.  

فالولايات المتحدة تنص في أحدث استراتيجياتها العسكرية الصادرة في 2015 على الحفاظ على مصالح الأمن القومي الأمريكي عن طريق تبني استراتيجية عسكرية متكاملة يتكامل فيها وسائل الدفاع التقليدي مع غير التقليدي / الهجينة (وفقًا للشكل 1).  كما تحدثت الاستراتيجية بصراحة عن "استراتيجية"3 العلاقة مع الشركاء المحليين فيما يتعلق بمكافحة إرهاب تنظيمات التطرف المسلح VEO بدون أي سقف زمني لهذه الحملات.4 

 

 

كما أكدت وزارة الدفاع الأمريكية في بيان الموقف الدفاعي لعام 2017 أنها تسعى بشكل حثيث لاستئصال شأفة (داعش) عن طريق دعم القوى المحلية عن طريق إمكانيات التحالف المناهض لداعش أو عن طريق الدعم التدريبي والاستخباراتي واللوجستي والاستشاري.5 

أما الاستراتيجية الروسية لعام 2015، فينص البند الثامن والثلاثون منها على ضمان تحسين صور وطرق نشر القوات المسلحة الروسية والقوات والتشكيلات الأخرى على نحو يتوافق مع طبيعة الحروب الحديثة وضمان مراعاة متطلبات التشكيلات غير التقليدية للحروب المستقبلية.6 

حلف الناتو من جانبه يسير منذ عام 2011 على ورقة المفهوم الاستراتيجي لعام 2010 بعنوان "الارتباط الفعّال، الدفاع الحديث" والتي تنص على مبادئ عامة للحلف من بينها المرونة الكاملة في تشكيل القوات بما يحقق الأهداف العليا المشتركة لدول الحلف في إطار ما يسمى بالأمن التعاوني.7 

أما الاستراتيجية العسكرية الصينية لعام 2015، فإنها نصت في المبدأ الخامس من مبادئ الدفاع الفعّال أن يتم تسخير كافة الاستراتيجيات والتكتيكات التي تظهر المرونة وسهولة الحركة وتمنح فعالية كاملة للعمليات المشتركة وتركز بشكل كبير على قوات النخبة وتدمج بين كافة الوسائل والمناهج العملياتية. 

 

حروب الإنابة والقوات البديلةثمن زهيد للتغيير الاستراتيجي واسع المدى 

تتمتع الجيوش الكبرى بسجل حافل من حروب الإنابة وقيادة القوات البديلة في القرن العشرين لاسيما القوات الأمريكية والبريطانية. فخلال صيف عام 1916 وكجزء من عمليات الحرب العالمية الأولى شاركت الاستخبارات البريطانية في إذكاء التمرد العربي ضد الأتراك، حيث أرادت بريطانيا إرباك الأتراك الذين هزموهم في معركة جاليبولي هزيمة ساحقة وأثرت تلك الهزيمة في سير الحرب وفي النظرة البريطانية للأتراك بعد ذلك8. وفي الوقت الذي ركز فيه الأتراك على أولوية أمن القوقاز خلال الحرب، حاول البريطانيون تشتيت الأتراك وكسب موطئ قدم في المشرق تمهيدًا لتضييق الخناق عليهم من الجنوب. أفلح البريطانيون وغيرت حرب الإنابة تلك وجه المنطقة. 

 

المقاومة الفرنسية: نموذج مثالي للقوة البديلة 

وكما كان لهذا النمط من الحروب أثر كبير في رسم خريطة ما بعد الحرب العالمية الأولى، فإن أثر حروب الإنابة والقوات البديلة في الحرب العالمية الثانية يكاد لا تخطئه عين. فخلال الحرب العالمية الثانية تمت الاستعانة بقوات بديلة على أكثر من جبهة وفي صدارة تلك القوات البديلة ما يعرف بالفيلق الأفريقي (L'Armée d'Afrique) التابع للجيش الفرنسي والفرقة الفرنسية الخارجية والفرق التي شكلها اليابانيين من السكان الأصليين في جزر الباسيفيك. لكن أهم تلك الجبهات على الإطلاق كانت فرنسا المحتلة والتي تولت عملياتها المقاومة الفرنسية والتي تم تدريبها والتخطيط لها وقيادتها من قبل مكتب الخدمات الاستراتيجية OSS الأمريكي والذي أصبح فيما بعد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى جانب مكتب عمليات القوات الخاصة البريطانية SOE والذي تم تشكيله خصيصا في يوليو عام 1940 ليقود عمليات التجسس والتسلسل والتخريب ضد القوات الألمانية داخل فرنسا المحتلة وكذلك تقديم الدعم اللوجستي للمقاومة الفرنسية وتوحيد صفوفها. 

كانت خطة الإنزال في النورماندي (والمعروفة كوديا باسم Operation Neptuneفي يوم السادس من يونيو عام 1944 (والمعروف كوديا باسم D-Dayتقضي بإنزال ست وحدات قتالية محمولة بحرًا وثلات وحدات محمولة جوًا في نفس يوم الإنزال.9 هذه القوات كانت في مواجهتها دفاعات حديدية بداية من حائط الأطلسي على طول الساحل وفي شمال وغرب فرنسا المحتلة 30 كتيبة مشاة و6 وحدات من دبابات Panther التي كانت محل فخر الفيرماخت حتى نهاية الحرب. هذه الفرق العسكرية بإمكانها وقت الحشد على شواطئ فرنسا من قبل الحلفاء أن تصفي أي رأس شاطئ مهما كانت قوته في ساعات محدودة. لذا، ولتفكك الجيش الفرنسي بعد سقوط باريس وانشقاق الجنرال بيتان بما تبقى من الجيش وتأسيس جمهورية فيشي في الجنوب والشرق الفرنسي، لجأ الحلفاء إلى تجنيد المقاومة الفرنسية وقام مكتبي عمليات القوات الخاصة البريطانية SOE والخدمات الاستراتيجية الأمريكي OSS بتدريب شبكات المقاومة الفرنسية على أعمال التجسس وجمع المعلومات وتقنيات الاتصال واستخدام الراديو والدفاع عن النفس والتخريب والاغتيال والقفز المظلي وهي كلها مهام قوات العمليات الخاصة. لهذه الأسباب، صدر قرار الجنرال فردريك مورجان قائد القيادة المشتركة للحلفاء بتكليف قوات العمليات الخاصة بمهام وأعمال التعبئة العامة في الجزء الأولي من خطة يوم الإنزال الكبير.10 لم يكن دور المقاومة التخريب العبثي، ولأن دور المقاومة من اليوم الأول التركيز على الإعداد ليوم الإنزال الكبير فلقد ركزت المقاومة وقيادة الحلفاء على جهود جمع المعلومات حول خرائط التحصينات الألمانية واعتراض وقطع خطوط الإمدادات الاستراتيجية للجيش النازي داخل شمال وشرقي فرنسا المحتلة من أجل درء كافة المحاولات الألمانية لإحباط عملي الإنزال. وقد تم إرسال قادة الاتصال وخبراء التخريب والمتفجرات ومعدات التدريب والأسلحة والمتفجرات إلى فرنسا عبر إنزالات مظلية متتالية. كان التحدي الأكبر في ذلك الوقت هو أن الصدمة التي حدثت للفرنسيين بعد سقوط فرنسا في يد الرايخ قد تركت آثارًا على الحالة العامة للشعب الفرنسي وبات يكفر بأشياء كثيرة وزادت الشكوك والظنون والريب وتبادل الاتهامات حتى بين المقاومين وشبكات ومجموعات المقاومة. واستغلالًا لهذا الوضع، قام الجوستابو والقوات الألمانية باختراقات عديدة لبعض هذه المجموعات لكنها لم تتمكن من القضاء عليها بسبب دعم الحلفاء القوي وتحسن شبكات المقاومة وانتقاء أفضل العناصر لهذه المهام. 

في الخامس من يونيو 1944، وقبل يوم الإنزال الكبير بيوم واحد، قام الحلفاء بإغلاق ساحل النورماندي وقامت القوات الجوية البريطانية الخاصة SAS وقوات OSS المجوقلة وعناصر المكتب المركزي للعمليات والاستخبارات التابعة لقوات فرنسا الحرةBCRA  بالإضافة إلى القوات البلجيكية والهولندية الحرة بالإنزال خلف خطوط العدو (في إطار ما يعرف بعملية الجيدبيرج Operation Jedburgh) وكانت جيوب المقاومة على أتم استعداد للتحرك بعد تدريب دام ثلاث سنوات على قطع التعزيزات والإمدادات والاتصالات النازية. وقام مكتبي العمليات الخاصة البريطاني والخدمات الاستراتيجية الأمريكي خلال عملية معركة النورماندي بالتنسيق مع شبكات المقاومة للتمهيد لعلميات الإنزال المظلي خلال الأسبوع الأول من المعركة في بريتاني ودورودوني وأوت فيان وليموزين. واستطاعت هذه العمليات وقف التعزيزات الألمانية خلال الأيام الأولى لاسيما قطع قوات المقاومة الطريق على فرقة القوات الخاصة الألمانية SS التي تحركت من الجنوب الفرنسي باتجاه النورماندي. بعد مرور أسبوعين فقط، وبفضل المقاومين الفرنسيين (قوات الحلفاء البديلة في تلك الحرب)، استطاعت قوات الحلفاء تأمين شواطئ النورماندي كلها لاستقبال جيوش الحلفاء. 

خلال تلك الأثناء، قام مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي OSS بتكوين الكتيبة 101 من أجل شن حرب عصابات غير تقليدية ضد الوجود الياباني في الصين وبورما (ميانمار حاليًا). قامت هذه الكتيبة بتدريب مواطنين أصليين من بورما من رجال القبائل على أعمال التسلل والتجسس والتخريب وحروب العصابات والحملات الدعائية. وبالمثل، قام رجال القبائل بتدريب الجنود الأمريكيين على فنون البقاء وشن حروب الغابات. وقد بدأت هذه الكتيبة بما يقارب 100 فرد وانتهى بها المطاف مع نهاية الحرب بقوة تزيد على 10 آلاف مقاتل؛ 11 

في مكان وزمان قريب من عمليات الكتيبة 101 التابعة لمكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي في الصين وبورما، وفي إطار حرب فيتنام ومع بدايات الحرب، قامت فيالق القبعات الخضر Green Berets (العمليات الخاصة للقوات البرية الأمريكية USASOC) بإغلاق الحدود الفيتنامية عن طريق تجنيد القبائل المحلية وتدريبهم والإشراف على مهامهم. إلى جانب هذه المهمة، قام ضباط من كتائب القوات الخاصة الأمريكية الأولى والخامسة بتدريب قرابة مائة ألف من رجال القبائل والمسلحين (الذين عملوا كقوات بديلة خلال تلك الحرب) على فنون القتال وشن حروب العصابات وفنون الدفاع عن النفس والبقاء.12 

 

أفغانستان المستحيلة: متطرفي الشرق الأوسط يقومون بالمهمة 

بعد القيام بمهام فيتنام، كانت مجموعات من العملاء السريين لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA وخبراء من مكتب الخدمة الخارجية البريطاني MI6 وهيئة الاستخبارات العسكرية الباكستانية على وعد بمهام شبيهة في وسط آسيا، لكنها كانت مهمة استخباراتية بامتياز وليست شبه عسكرية كما حدث في فرنسا وبورما. ففي ديسمبر 1979، أصدر ليونيد برجنيف رئيس الاتحاد السوفييتي أوامره بغزو أفغانستان على خلفية مظاهرات وتحركات مناوئة للحكومة الماركسية الجديدة التي أتت عقب انقلاب عام 1978 على محمد داوود خان؛ وقام السوفييت بتوجيه الجيش السوفييتي الأربعين للسيطرة على الأوضاع في أفغانستان.  

في مقابلة تلفزيونية له في يناير من عام 1980، اعتبر الرئيس الأمريكي الغزو السوفييتي لأفغانستان أمرًا جللًا وأنه "أخطر تهديد حدث للسلام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية"13لم يكن باستطاعة الولايات المتحدة والقوى الغربية استصدار قرار من مجلس الأمن بنشر قوات في أفغانستان بسبب الفيتو الروسي، ولم تستطع الأمم المتحدة القيام بأي دور سوى بعض بيانات الشجب والإدانة من قبل الجمعية العامة UNGA. لذا، فقد قادت الولايات المتحدة جهود إرسال مقاتلين إسلاميين متشددين إلى أفغانستان بدعم من دول كبرى كالمملكة المتحدة والصين والسعودية وباكستان، وقد تم اختيار مواقع على الحدود الباكستانية لتدريب المقاتلين ونشرهم على الجبهات وتوجيههم. 

بدأ الدعم الأمريكي السري للمقاتلين الإسلاميين المعادين للشيوعية في أفغانستان عام 1979 حيث تم إرسال معدات اتصال لهم.14 المقاتلين سموا أنفسهم مجاهدين وكان معظمهم مزارعين نظمهم فقهاء وملاك الأراضي الذين رأوا أن حكومة نور تراقي ليست فقط حكومة فاسدة وظالمة لكنها أيضا خائنة للدين والوطن.  

دعمًا لهذا الحراك المناوئ للسوفييت، قامت لجان استخباراتية مشتركة بإنشاء قاعدة تحرك في باكستان قريبة من الحدود الأفغانية وذلك تحت إشراف كامل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وزيارات متكررة من مسئولين أمريكيين كبار مثل بريجينسكي ذاته والذي خطب مرارا في حشود من هؤلاء المجاهدين على الحدود الباكستانية الأفغانية. حصلت الخطة الأمريكية على دعم سياسي ولوجستي (كالسلاح السوفييتي) مع دول ذات تأثير كالصين وتشيكوسلوفاكيا بالإضافة إلى تمويل سخي من المملكة العربية السعودية التي أرادت طرد الراديكاليين الإسلاميين من أراضيها حيث ضاقت بهم الحكومة السعودية لاسيما بعد حادثة الحرم المكي في نوفمبر 1979.  

اعتبر الجيش الروسي أن المجاهدين هم قوات أمريكية لا ينقصها سوى زي الجيش الأمريكي وتأدية التحية للعلم الأمريكي ووجه جنوده نحو هذه العقيدة.15 كان هذا النوع من الحروب كارثيًا بالنسبة للجيش الأحمر الذي تعود وبنى جل خبراته على الحروب التقليدية الخطية التناظرية معلومة العدو ومعروفة الطوبوغرافيا على منوال ممارساته مع الناتو في أوروبا الشرقية والصين في سهول منشوريا. وقد شكل كل تقدم عسكري لهذا الجيش إخفاق جديد وتورط أكبر. 

ومع انتخاب دونالد ريجان رئيسًا للولايات المتحدة عام 1980، زادت المساعدات الأمريكية لـ"المجاهدين" المناوئين للسوفييت في أفغانستان وازداد تورط السوفييت. أدارت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز الخدمة الخارجية البريطاني MI6 والمخابرات العسكرية الباكستانية معظم عمليات التدريب والتوجيه والإمداد اللوجستي والاستراتيجي وأعمال التخريب في حين كانت القيادة الاستراتيجية في يد مجموعة مجلس الأمن القومي برئاسة الرئيس ريجان.  

وكما هو حاصل في حالات سابقة، قام "المجاهدون" بقطع خطوط الإمداد والتموين على السوفييت؛ إما بإيعاز من لجان المخابرات الرابضة على الحدود أو بداعي الجوع بسبب ضعف التموين الحاصل بسبب شبكة الإمداد اللوجستي شديدة السوء فقد كانوا يتم تدريبهم ويدفع بهم للداخل الأفغاني وكانت ترسل قوافل أغذية بين فينة وأخرى كانوا يستفيدون منها. لكنه مع منتصف الثمانينات، دفعت الولايات المتحدة بمتغير هام أدى إلى ليّ أعناق السوفييت في وقت كانوا عالقين فعلا بالوحل الأفغاني ألا وهو إمداد المقاتلين في أفغانستان الذين اعتبروا كقوات بديلة Surrogate Forces بصواريخ أرض  جو من طراز ستينجر Stinger. ففي خلال عامين، أسقطت صواريخ ستينجر حوالي 350 طائرة روسية ما بين طائرات ثابتة الجناح وطائرات عمودية، وهو السلاح الذي دفع السوفييت فعلا للتسليم بخسارتهم لهذه الحرب. قام السوفييت بتصميم استراتيجية انسحاب تدريجية بدأت بإعلان إيكال مهمة الحرب إلى الجيش الأفغاني وصولاً إلى التوقيع على معاهدات جنيف عام 1988 في إطار خطة البيروسترويكا التي تبناها ميخائيل جورباتشوف.16 

بعد خروج السوفييت وبدء التناحر الداخلي بين الجماعات المسلحة في أفغانستان، استتبت السلطة لتحالف القاعدة-طالبان وسط سخط كبير من الجماعات الأخرى وفي أتون روح عرقية عصبوية سادت خلال تلك الفترة، تم تأسيس تحالف الشمال من معظم المناوئين لحكم طالبان وتم الاعتماد على هذا التحالف في غزو أفغانستان عام 2001 من قبل قوات التحالف الدولي. فقد تم تكليف قوات تحالف الشمال المدعومة من دول الشمال الأفغاني (أوزبكستان وطاجيكستان وهم أعضاء في التحالف الدولي) بأن تقوم بالزحف من الشمال صوب كابول كجزء من خطة التحالف الدولي لإسقاط حكومة طالبان وغزو أفغانستان. لم يواجه تحالف الشمال عقبات جمة واستطاع الوصول إلى كابول في وقت قياسي. 

 

 

حرب العراق 2003: حروب الإنابة في طور جديد 

بعد غزو أفغانستان بعامين، اضطر تومي فرانكس قائد حملة التحالف الدولي لإسقاط نظام صدام حسين (عملية الحرية الدائمة Operation Enduring Freedomإلى أن يقلد خطته لغزو أفغانستان 2001؛ لاسيما بعد الرفض التركي استخدام القوات الأمريكية الأراضي التركية في أعمال حربية ضد العراق.17 فقد كانت الخطة الأصلية تقضي بأن يتم إرسال أربع فرق مشاة أمريكية وفرقة بريطانية لغزو العراق من الكويت، بالإضافة إلى فتح جبهة شمالية عن طريق تكليف فيلق المشاة الرابع في الجيش الأمريكي بهذه المهمة على أن ينطلق من تركيا؛ مع تكليف فرق العمليات الخاصة للقيام ببعض العمليات على الجبهتين الشمالية والجنوبية ومن بينها التنسيق مع الأكراد. وفي هذه الخطة، ستكون من مهام فرق العمليات الخاصة تهيئة ساحة المعركة فقط للفيلق الرابع. لكن بعد أن أوصدت تركيا الأبواب أمام التحالف قبل ثلاثة أسابيع فقط من موعد بدء الهجوم، أصبحت خطة الغزو مهددة واستبشر الجيش العراقي وقام بنقل بعض من فرقه العسكرية من الشمال إلى الجنوب استعدادا للغزو.  

في ظل هذه الظروف، أقدم فرانكس على إيكال مهام عملية رحلة الشمال جمعاء لقيادة العمليات الخاصة ومعها فرق البشمرجة على أن تقوم فرق العمليات الخاصة بأعمال الإعداد الميداني والمناورة والاختراقات المطلوبة داخل الأراضي العراقية وفي قلب فرق الجيش العراقي، وتقوم البشمرجة بالانتشار والتأمين والسيطرة على المدنيين. وقد تم دعم عملية رحلة الشمال التي تقوم بها العمليات الخاصة والبشمرجة بأسلحة حديثة ومناسبة للطوبوغرافيا الكردية مثل عربات GMV الضخمة لنقل الإمدادات وسيارات Humvee المزودة بصواريخ جافلين Javelin لتدمير المدرعات والتصدي لسلاح الجو المعادي. وقبيل شن الحرب بأيام، قامت طائرات النقل الاستراتيجي طراز سي-17 جلوب ماستر وسي-130 بنقل الكتيبتين المجوقلتين الثانية والثالثة من فرقة القوات الخاصة العاشرة من معسكراتها في فورت كارسون بألمانيا مع عتادهم اللازم خلال الحرب وتسللت تحت ستار الليل إلى شمال الأردن وغرب العراق حيث انضمت الفرقتين إلى قوات البشمرجة. 

في التاسع عشر من مارس 2003، وفي وقت بدء الهجوم تحركت كتائب القوات الخاصة بصحبة البشمرجة إلى العمق العراقي وتم تعزيزهم بالكتيبة الثالثة من فيلق القوات الخاصة الثالث المرابض في ذاك الوقت بالبحر المتوسط. وعلى الرغم من متابعة العالم أجمه لتطورات الهجوم عبر الإعلام، فإنه لم يلتفت أحد لعملية المحور الشمالي التي ستقوم بها القوات الخاصة على الرغم من أن بعض معاركه كانت حاسمة في الحرب مثل معركة الخط الأخضر التي شاركت فيها فرق العمليات الخاصة مدعومة بالبشمرجة التي كانت قواتهم البديلة خلال تلك الحرب والذين تركزت مهامهم فيها على اختراق خطوط الجيش العراقي والوصول إلى حقول النفط في كركوك. خلال طريقهم إلى كركوك جرت معركة كبرى ساعدت فيها فرق البشمرجة بشكل كبير هي معركة "ممر ديبيكا" على الرغم من الأخطاء التي شابتها بسبب قلة خبرة البشمرجة وضعف التنسيق مع فرق القوات الخاصة المشتركين معهم في العمليات. 

لقد كانت حرب العراق 2003 نقطة تحول ضخمة في الاستعانة بالقوات البديلة (البشمرجة)، حيث أن كامل الخطة تم تصميمها على أدوار مركزية للعمليات الخاصة وقوات البشمرجة بدون أي دور يذكر لأي فرق عسكرية من قوات التحالف، وهو ما اعتبر ثورة في الشؤون العسكرية.  

قد يكون فرانكس قد غامر فعلا بتكليف القوات الخاصة وقوات البشمرجة بتغطية محور الشمال بمفردها، لكن هذه المحاولة كشفت عن أدوار جديدة وكبرى يمكن للقوات الخاصة والقوات البديلة القيام بها بدلاً من الجيوش التقليدية لاسيما مع تطور وسائل النقل والاتصالات وتكنولوجيا السلاح والعتاد والذخيرة؛ لاسيما في منطقة تموج بالتقلبات السياسية والاجتماعية العنيفة كالشرق الأوسط. 

 

حروب الإنابة في الشرق الأوسط: الديموغرافيا والجيوبوليتيك 

بدأت انتفاضة ضد العقيد معمر القذافي في ليبيا في 18 فبراير 2011 وكانت بداياتها في الشرق وسرعان ما انتقلت من الشرق للغرب لأسباب عديدة. وطبقًا لقرارات مجلس الأمن 1970 و1973 الصادرين تباعا في فبراير ومارس 2011، قام حلف الناتو بتطبيق حظر الطيران والقصف بالصواريخ والطائرات فيما عرف بعد ذلك بعمليتي فجر أوديسا والحامي الموحد. ورغم نفي الناتو نفيًا قاطعًا بأنه لا علاقة له بقوات مدنية شبه عسكرية نسقت معه على الأرض،18 إلا أنه من المسجل والمؤكد إرسال فرنسا وإيطاليا وبريطانيا مستشارين عسكريين19 لرفع خبرات قوات الثوار الليبيين في بدايات الصراع في 2011 بالإضافة إلى دفعات سلاح فرنسية20 وإيطالية وأمريكية معلن عنها. وهذا هو نفس النهج الذي تم اتباعه في أفغانستان بإرسال إمدادات أسلحة ومستشارين عسكريين للتخطيط والتوجيه والتدريب. 

على نحو متطور من هذا، قامت القوى الغربية بالتدخل في الصراع السوري على وجهين: الأول دعم قوات سوريا الديموقراطية بالسلاح الخفيف حيث تلقت القوات الكردية في سوريا مئات الأطنان من السلاح الأمريكي. وهو ما أثار حفيظة تركيا بسبب حساسية ملف الأكراد بالنسبة لها. وفي معركة القوات الكردية في منبج مع داعش، قامت القوات الخاصة الأمريكية والفرنسية والألمانية بمشاركة الأكراد في تلك المعركة.21 كما قامت القوات الأمريكية والفرنسية بأعمال إنشاءات لقواعد عسكرية في كوباني تحت حماية القوات الكردية. 22 

على الجانب الآخر، ومن أجل احتواء الغضب التركي ولأسباب أخرى، قامت الولايات المتحدة في 2014 بإعداد برنامج تدريب وتجهيز السوريين23 من المعارضين السوريين غير الإسلاميين المتواجدين في تركيا بقيمة 500 مليون دولار. وقد تم تحديد 700 مرشح لتلقي التدريب الذي تولاه 1000 جندي أمريكي وحوالي 100 جندي بريطاني سمحت لهم تركيا بالتدريب على أراضيها. إلا أن أولى المجموعات التي تلقت التدريبات واجهت مصائر مجهولة بعد دخولها سوريا على أيدي جبهة النصرة على الرغم من التغطية الجوية الأمريكية لهم.24 لكنه وفي أكتوبر 2017، دشنت الولايات المتحدة فصلاً آخر من البرنامج لتدريب وتجهيز قوات سوريا الديموقراطية لمحاربة داعش وتطهير الرقة.25 

في الحالتين الليبية والسورية وحتى اليمنية ، تستوفي كافة معايير القوات البديلة أو حروب الإنابة. لكنه وبدون مغامرة الجنرال فرانكس في العراق 2003 لم يكن ليتطور هذا النوع من الحروب وعمليات الإسناد العملياتي بهذه الصورة. فهناك فوارق ضخمة في نمط التعاون المتبع في الحرب العالمية الثانية مع المقاومة الفرنسية وفي الحرب الأهلية السورية مع قوات الأكراد. الفارق بينهما ليس فقط في الوقت بقدر ما هو فارق في الخبرة في إدارة القوات البديلة وتدريبها وتجهيزها وكذلك فارق في التكنولوجيا وأدوات الاتصال بالإضافة إلى التحولات الحادة التي شهدتها المنظومة منذ ذلك الوقت. وهذا يمكن أن يبرز الفارق بين الجيلين الثالث والرابع من الحروب. 

 

 

العولمة والنظام الدولي وحروب المستقبل: 

شكلت حرب العراق 2003 نقطة تحول كبرى في ملامح وهيئة حروب الإنابة ودور القوات البديلة في الصراعات العسكرية. فلأول مرة يتم الإسناد الكامل لكافة المهام العسكرية المسندة لفرق وجيوش نظامية تقليدية لهذا النوع من المقاتلين غير النظاميين وقد أثبت هذا النوع من الإسناد كفاءة جيدة على أكثر من محور: 

  1. أن التوسع في التحالف مع اللاعبين المسلحين من غير الدول وتنظيمات التطرف العنيف من قبل بعض الدول وإسناد المهام بهذه الصورة الكاملة لقوات بديلة هو جزء من الاتجاه العالمي لخصخصة الحروب وخصخصة المجالات الأمنية والعسكرية بشكل كامل. وهذا يتماشى بشكل كبير مع الاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في عصر العولمة التي نحياه. كما أن تناقص وضعف هيبة الدول وسيادتها في المنظومة الدولية الحالية لصالح الشركات والمصالح الاقتصادية المتعدية والتجارة الحرة تتطلب من صانع القرار العسكري والاستراتيجي التماهي ولو بشكل جزئي مع هذه الروح الجديدة التي تسود وإظهار المرونة لها حتى لا تنكسر قدرة الدول على الفعل السياسي قبل العسكري. 

  1. أن التكنولوجيا المتقدمة التي بدأت الجيوش الكبرى في تسليمها للقوات البديلة منذ تسليم صواريخ ستينجر لـ"المجاهدين" هي عامل حاسم في تغيير شكل الحروب. فهذه الأسلحة لا تتطلب تدريبات معقدة تستثني كثيرين. فالتقدم التكنولوجي في المجال العسكري سهل كثيرًا من طريقة التعامل مع الأسلحة ويسرها. فقط تدريبات خفيفة والأسلحة تقوم هي بباقي المهمة. وهو ما حدث في حالة صواريخ جافلين التي حسمت معارك شمال العراق في 2003 ضد فرق دبابات الجيش العراقي وكذلك مركبات GMV التي وفرت على عناصر العمليات الخاصة والبشمرجة أمور الإمداد وسرعت من أدائهم وصولاً إلى الهدف في أقصى سرعة. 

  1. أن مسألة الغطاء الاجتماعي الذي يقدمه المسلحون المحليون هو أمر في غاية الخطورة بالنسبة للقوى المتصارعة. فالأكراد وقوات البشمرجة في حالة حرب العراق 2003 على سبيل المثال قاموا بتوفير غطاء اجتماعي لقوات التحالف بالإضافة إلى سيطرتهم على المدنيين وهذا يوفر على القوات مؤونة التواصل مع جماهير غاضبة في أوقات عصيبة وهي جماهير تحمل ثقافات مختلفة عن ثقافة القوات المهاجمة. وحتى مع وجود تدريب وتوجيه ثقافي ومعنوي للقوات، فإن احتمالية استيعاب العناصر لكافة المدخلات السياسية والثقافية والتاريخية لأمة ما في وقت المعركة قد تكون ضئيلة وهو ما يؤدي لحدوث مشكلات مع المجتمعات المحلية بعد دخول القوات. 

  1. أن المقولة الخالدة للمفكر الصيني الكبير "صن تزو" والتي يقول فيها "اعرف عدوك، اعرف نفسك" تتجلى بمنتهى القوة في إطار حروب الإنابة والقوات البديلة. فقد أصبح خوض الحروب بالنسبة للقوى العظمى شديد التكلفة على الاقتصاديات القومية والاقتصاد العالمي والسمعة السياسية والشرف العسكري وغير ذلك من العوامل والأبعاد. لذا، ومع انخفاض تكلفة حروب الإنابة والنظر في آثارها الجوهرية، فإنها أصبحت الخيار الأساسي في صراعات البيئة الدولية في شكلها الحالي. 

  1. أن البيئة الاستراتيجية الدولية لم تعد تسمح بشكل أو بآخر بأي حرب تقليدية من أي نوع نظرًا لهشاشة الظرف الاستراتيجي في النظام العالمي الذي يمر بمخاض صعب وتحول بطيء بدأ منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 ولن يحسم قبل عشر سنوات على الأقل. لذا، فإن كل الصراعات العسكرية التي تمت من 2008 حتى الآن، لاسيما في الشرق الأوسط، هي في جوهرها حروبًا غير تقليدية Unconventional Warfare نظرًا لدقة الظرف الدولي ولعدم قدرة أي طرف داخل المنظومة الدولية على اتخاذ قرار الحرب حتى ولو كانت الولايات المتحدة ذاتها وهو ما يمكن تفسيره بشكل مثالي في إطار نظرية الاعتمادية المركبة Complex Interdependence التي يتداولها الواقعيون الجدد والليبراليون الجدد كجوزيف ناي وريتشارد كوبر.  

لقد كان في انهيار حائط برلين 1989 انهيار لنظام دولي قام على مبدأ الطوارئ الدائمة وسردية الحرب القادمة وخطوط الاتصالات الاستراتيجية الحمراء التي حددت مصير العالم بأسره. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتربع الولايات المتحدة على عرش العالم، دشنت الولايات المتحدة (خلال التسعينات) لنظام دولي يقوم على ثنائية "خفض التصعيد والتنمية". لكن استراتيجيات التطوير الاقتصادي والتنمية لم تكن عملا اقتصاديا مجردا: فالتطور الاقتصادي وزيادة الناتج المحلي العالمي استتبعه تطوير للعلاقات التجارية بين الدول وشق خطوط تجارة إضافية. ازدادت أعباء الولايات المتحدة في أعالي البحار وقامت بإنتاج حاملات طائرات ومجموعات قتالية جديدة وضمت قواعد عسكرية جديدة حتى وصلت إلى 72 قاعدة حول العالم تضم 855 منشأة عسكرية ويزيد عدد طواقمها على ثلاثمائة ألف فرد مع انتشار أفقي في 150 دولة حول العالم.  

وفقًا لهذا، فإن المصفوفة غير التقليدية لهياكل القوى في عالمنا اليوم تحتاج تعاملا ديناميكيًا في شتى المجالات خصوصًا فيما يتعلق بالأمن والسلم الدوليين. من هنا جاء الحديث عن الحروب غير التقليدية UW والحروب الهجينة HW التي اعتبرت آخر موجات الثورة في الشؤون العسكرية كوسائل للسيطرة على بؤر المشكلات وتحويطها بشكل مرن مركب يستغل التكنولوجيا والمعلومات والديموغرافيا والثقافات والموارد بما يتواكب مع روح العصر ولا يخل بتوازناته.  

 

 

 

 

 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.