الخميس، مايو 28، 2026
اللعبة الكبرى في القرن الحادي والعشرين- معضلة القلب الأوراسي وصعود استراتيجية بسمارك
نظرة علي الأحداث

اللعبة الكبرى في القرن الحادي والعشرين- معضلة القلب الأوراسي وصعود استراتيجية بسمارك

اللعبة الكبرى في القرن الحادي والعشرين...... 

معضلة القلب الأوراسي وصعود استراتيجية بسمارك  

"تقدير موقف استراتيجي" 

أنس القصاص 

 

مع نهاية الحروب النابليونية في العقد الثاني من القرن التاسع عشر وحتى قبيل الحرب العالمية الأولى بقليل، بدء صراع جيو-استراتيجي شكل عالم القرن التاسع عشر وما بعده عرف بعد ذلك باللعبة الكبرى. فبعد انهيار مشروع نابليون بهزيمته في معركة واترلو وتوقيع معاهدة باريس الثانية في عام 1815، حدث فراغ جيو-استراتيجي عالمي أدى إلى صراع واسع المدى بين القوى الكبرى التي حققت انتصارات مباشرة من هزيمة نابليون أملا في تثبيت المكتسبات وجني أرباح جديدة. كان القطبين البارزين في هذا الصراع بريطانيا العظمى وروسيا القيصرية مع تعدد فواعل آخرين من فترة لأخرى مثل إمبراطورية بروسيا (الإمبراطورية الألمانية لاحقا) والدولة العثمانية واليابان الإمبراطورية التي وضعت حدا لهذا الصراع بعد الهزيمة المذلة لجيش نيكولاس الثاني قيصر روسيا في الحرب اليابانية الروسية عام 1905 التي قامت على إثرها إمبراطورية اليابان بالسيطرة على سهول منشوريا وشبه الجزيرة الكورية وتقديم نفسها لاعبا دوليا مؤثرا على رقعة الشطرنج الأسيوية. كما تعتبر هذه الحرب هي التمهيد المبكر للحرب العالمية الأولى وإزاحة حقبة السلام الفيكتوري Pax Britannica عن مسارها وبداية صراع دولي جديد لكن هذه المرة حول أوروبا نفسها وليست آسيا. 

اللعبة الكبرى... على أرض أفغانستان  

مع نهاية مشروع نابليون، بدأت روسيا القيصرية في التوسع غربا صوب أوروبا وجنوبا صوب وسط آسيا مما أقلق إمبراطورية بريطانيا العظمى على مستعمراتها في الهند، وكان القصر في هذه الفترة أكثر استعدادا لشن أية حرب حتى لو كانت حربا عالمية من أجل الهند عوضا من فقدها. كان هناك اتفاق بأن تكون خاقانيات بحر قزوين الثلاث (خوقند وبخارى وخوارزم) مناطق عازلة بين روسيا القيصرية والتواجد البريطاني في الهند. لكن هذا الاتفاق تم نقضه من قبل الطرفين فقامت روسيا بالسيطرة على أراضي الخاقانيات شيئا فشيئا مما دعى بريطانيا لشن الحملة الأفغانية ودخول أفغانستان الذي دشن سلسلة حروب تجرعت فيها قوات بريطانيا العظمى مرارة الهزيمة على أرض أفغانستان. 

في أتون هذا الصراع الدولي، كانت أفغانستان قلب هذا الجحيم ولم تكن هي نهايته، على غير ما يصور بعض المؤرخين بأن اللعبة الكبرى كانت من أجل أفغانستان وهو كلام لا يؤيده سياق أو منطق. فساحات هذا الصراع امتدت من غرب الهادئ حتى وسط أوروبا ومن أقاصى الشمال المتجمد حتى مياه المحيط الهندي الدافئة. على سبيل المثال، تعتبر حرب القرم في عام 1854 بين روسيا وبريطانيا والامبراطورية العثمانية وحلفائهم فصلا هاما من فصول هذا الصراع الدولي بالإضافة إلى فصول أخرى من المواجهات القارية الممتدة خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين والتي انتهت بالحرب اليابانية الروسية التي وضعت حدا لهذا الصراع بتقليم أضافر الدب الروسي وانتصار بريطانيا العظمى ودخول قوة جديدة أثرت في مسار الصراع الدولي طوال نصف قرن وهي اليابان. 

انتهى هذا الصراع بإعلان الوفاق الروسي البريطاني في عام 1907 في سان بطرسبرج وترسيم حدود أفغانستان وبلاد فارس وهضبة التبت. لكن هذه المبارزة الاستراتيجية أضافت أبعادا جديدة لأهمية السهل الأوراسي المركزي الكبير في بناء وتشكيل النظام الدولي الحديث والمعاصر حيث كان السهل الأوراسي منطقة صراع كبرى حددت شكل العالم بعد ذلك مع سقوط أهم اللاعبين في منظومتين دوليتين متعاقبتين هما الامبراطورية العثمانية وألمانيا النازية. فقد كان الصراع الروسي العثماني حول القوقاز في الحرب العالمية الأولى (حملة القوقاز) أو ما يعرف بجيش القوقاز الإسلامي آخر مسامير النعش للإمبارطورية العثمانية المتجاوزة للزمن. بالمثل، وقف القوقاز شاهدا على الانهيار المبكر للرايخ الثالث في إطار الهجوم النازي على جنوب روسيا في صيف عام 1942 في إطار ما يعرف باسم العملية براونشفايج (العملية الزرقاء) التي كان هدفها الرئيسي هو تأمين مخزون من النفط عبر حقول النفط القوقازية على بحر قزوين في باكو كاحتياطي لحقول النفط الرومانية التي بدأت تنضب بسبب الاتكاء عليها بشكل رئيسي في تشغيل خطط الهجوم الألمانية. 

صعود الماكيندرية الجديدة... في قلب واشنطون 

كل هذا الصراع من أجل القوقاز والسهل الأوراسي فتح أعين القوة التي تحاول عبر البحار تشكيل النظام العالمي الجديد على أن العالم الذي تريد السيطرة عليه عالم متسع مليء بالمتناقضات وتصعب السيطرة عليه عبر مسلك واحد. 

فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشهد أروقة دعم اتخاذ القرار في الولايات المتحدة منافسة محمومة بين مدرستين من مدارس الجيوبوليتيكا أولها تنتمي للقرن التاسع عشر وهي نظرية قلب الأرض للاستراتيجي البريطاني هالفورد ماكيندر والثانية هي نظرية ماهان التي تعتبر المداد الرئيسي للاستراتيجية الأمريكية في العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن. 

مع بدايات القرن العشرين، رأى ألفريد ماهان أن السيطرة على البحار والمحيطات هي المفتاح للسيطرة على العالم بأكمله وهي نبوءة لم تكن الأجواء حينئذ مهيئة لتقبلها والاعتقاد فيها. لكنه مع التطور المتسارع الذي شهدته القوات البحرية في حقبة ما بين الحربين العالميتين استطاعت الولايات المتحدة واليابان تكوين أسطولين هما الأضخم في التاريخ حتى هذه اللحظة وتبنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة استراتيجية ماهان التي رأت فيها الإمبراطورية الأمريكية الوليدة أنها فلسفة في تكوين واستعراض القوة تتسق مع ظهورها على الساحة الدولية كقوة عظمى مع نهايات الحرب.  

لكنه مع بدايات الحرب الباردة، بدا أن استراتيجية ماهان لا تستطيع الإجابة على كل الأسئلة وكان السؤال الأهم الذي لم تتمكن من الإجابة عليه هو لب النظرية التي سادت في القرن التاسع عشر وهي كيفية السيطرة على "قلب الأرض Heartland". فمهما بلغت قدرات القوة البحرية والانتشار البحري والقوات بعيدة المدى ومهما بلغت قدرات شق البحار واحتلال رؤوس الجسور عبر العالم، فإن معضلة "قلب الأرض" التي طرحها ماكيندر ستظل قائمة وستؤدي لفوضى عارمة في المناطق غير المسيطر عليها إذا لم توفر القوى المهيمنة حلولا لهذه المعضلة وهو ما كان بعد ذلك. لقد أخطأ الأمريكيون حين تجاهلوا نظرية ماكيندر التي اعتبروها مفيدة لقوى من الماضي الذي عاش فيه ماركو بولو أو لم يتجاوزه بكثير. فباعتبارهم قوة بحرية، نظروا للقوة البحرية كعامل حاسم لكنهم عندما أتى الوقت للنظر في السيطرة على قوى وسط آسيا الحبيسة، بدا وكأن السؤال خارج النطاق.  

على الرغم من ذلك، فإن خروج الأمريكيون للساحة الدولية قد غير تماما من شكل العالم حتى أصبحت النظرة العالم بعد الحرب العالمية الأولى لعالم ما قبل الحرب أنه عالم من روايات الأجداد. فقد تدخل الأمريكيون في الحرب وحسموها لصالح الحلفاء كمخلوقات فضائية أتت من خارج الكوكب الذي ظل لفترة طويلة عبارة عن قارات ثلاث متصلة ببعضها ليس لهذا الكوكب علاقة بما ورائه من بشر أو حجر، وهذا الذي رآه هالفورت ماكيندر وعبر عنه على نحو فريد. فمن وجهة نظر ماكيندر، يتكون العالم من جزيرة عالمية كبرى لا يمكن لقوة أن تسيطر على تلك الجزيرة إلا عبر السيطرة على قلبها (heartland). وهذا القلب يمتد من شمال جبال الهيمالايا حتى جنوب بحر قزوين وغربا حتى هضبة الأناضول وشمالا مع غرب جبال الأورال  حتى بحر البلطيق. كانت نظرية ماكيندر أمينة مع الواقع الذي عاش فيه، لكنها لم تكن استباقية كما كانت نظرية السيطرة البحرية التي طرحها ألفريد ماهان. 

سقوط الشاه وإعادة ترتيب الوجود الأمريكي في وسط آسيا 

حاول الأمريكيون منذ اندلاع الحرب الباردة إيجاد موطئ قدم لهم في وسط آسيا عبر الاتفاق مع الحليف التقليدي في طهران. لكنه وعلى الرغم من عدم كفايته هو والحليف الآخر في إسلام أباد لإحكام القبضة على هذه المنطقة التي كانت تحت الرعاية السوفييتية. هذه الحالة من عدم التوازن في وسط آسيا دفع الأمريكيين للنظر في استراتيجية بديلة للتعامل مع هذا اليابسة المتسعة التي يصعب السيطرة عليها عبر طرح ما عرف بعد ذلك بالماكيندرية الجديدة وهي الاستراتيجية التي كسبت مزيدا من المؤمنين بها والمعتقدين فيها خصوصا بعد سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي في طهران وخسارة موطئ القدم الأمريكي في المنطقة. 

كان الحل التقليدي الذي طرحه برجنسكي والاستراتيجيين اللاحقين في إدارات كارتر وريجان ثم بعد ذلك بوش الابن هو: أفغانستان. فالجغرافيا السياسية لهذه الدولة أفضل لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة ومكسبها سيعوض كثيرا من خسارة إيران. لكن نظامها السياسي بعد سقوط الملكية مهترئ، ولا يمكن للأمريكيين تكرار نموذج التحالف مع الشاه مع أي من حكام أفغانستان الجدد الذين بالكاد يديرون قصورهم ومقار حكمهم ولم يتمكن أحد بعد محمد ظاهر شاه من حكم كل أفغانستان، لذا فقد كان الخيار الأمريكي التواجد بقوات كثيفة في أفغانستان للتخديم على الأهداف الاستراتيجية والأمنية في أفغانستان وخارجها. 

مع مرور الوقت، كان للتواجد الأمريكي على أرض أفغانستان أثمانا ثقيلة وتبعات شديدة الصعوبة أعاقت في معظمها تنفيذ الأهداف الاستراتيجية العظمى. وما زاد من ثقل هذه التبعات احتلال العراق في 2003 الذي جاء في أعقاب احتلال أفغانستان في 2001 مما ضاعف معاناة الجيش الأمريكي وأفقد دوائر التخطيط الاستراتيجي في الولايات المتحدة البوصلة الاستراتيجية في وقت صعد فيه نجم الصين على الساحة الدولية عن طريق نموذج اقتصادي فاق نموذج النمو الأمريكي نفسه وأصبح العالم كله في ذهول وترقب لما ستؤول إليه الأمور، في ذات الوقت الذي استطاع فيه بوتين من تقوية نفوذه وفرض نموذج الحكم الذي جعل منه قيصرا على امبراطورية أشبه بامبراطورية سان بطرسبيرج في القرن التاسع عشر. 

هذه المتغيرات زحفت على النظام الدولي في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة جاهدة معالجة موقفها المتأزم في حروبها الطويلة في أفغانستان والعراق. في عهد أوباما خرجت قوات التحالف من العراق لكنها قذفت بالبلاد في أتون الفوضى ولم يعد العراق بعد 2003 كما كان قبله. كذلك كانت أفغانستان التي سقط سياسيوها الآتون على ظهور الددبابات الأمريكية والملفوظين من كثير من طوائف المجتمع لاسيما أغلبية البشتون التي أخذت موقفا مناوئا للقوات الأمريكية ومساندا لطالبان التي نصبت نفسها حاملا لشعلة المقاومة وكان تكسب أرضية مؤيدين يوما تلو آخر. لكن أزمة الخروج الأمريكي من العراق حملت بعض الإيجابيات، حيث أومضت لصانع القرار الأمريكي بضرورة التمهل في الخروج من أفغانستان حتى تستقر الولايات المتحدة على استراتيجية وحلفاء جدد وهو ما كان. 

اللعبة الكبرى مجددا... لكن على خطى بسمارك 

أمام كل هذه المتغيرات الاستراتيجية على الأرض، تمت إعادة التفكير في الاستراتيجية العظمى الأمريكية. وعلى مدار سنوات، وعبر مئات الأوراق الاستراتيجية والموائد المستديرة في أروقة التفكير في الولايات المتحدة، رأت الإدارة الأمريكية ضرورة الخروج من أفغانستان في أقرب وقت، لكن على نحو منظم ووفقا لاستراتيجية استدامة سياسية وعسكرية وليست استراتيجية اسنحاب فقط. قد يظهر أن الخروج الأمريكي هو مثل الخروج الملطخ بالعار من فيتنام، لكن الأمر في الحقيقة مختلف كليا ويستند إلى حقائق شديدة التركيب والتعقيد. 

فمنطقة وسط آسيا تعوم على براكين خامدة لكنها بدأت في الظهور للعلن منذ وقت قريب مع تجدد الأزمة الجورجية واندلاع الحرب بين أذربيجان وأرمينيا حول ناجورني كاراباخ وكذلك أزمة أقلية الإيجور في إقليم شينجيانج الصيني (تركستان الشرقية سابقا) إلى جانب أزمات أخرى تطفو على السطح من فترة لأخرى مثل الصراع بين قيرغيستان وطاجيسكتان بسبب المياه. وعلى اعتبار الأثر الاستراتيجي بعيد المدى، فإن القوات الأمريكية المتمركزة في أفغانستان كانت مسؤولة عن أمن المنطقة ومحاولة تهدئتها، وذلك من قبيل الاستفادة الأمريكية المباشرة من الاستقرار الإقليمي والعالمي. لكن الولايات المتحدة رأت بعد مراجعة أن وجودها في هذه المنطقة هو أحد عوامل تأجيج الصراع.  

يرى الاستراتيجيون الأمريكيون أنه لأهمية هذه المنطقة على الاستراتيجية الأمريكية العظمى، فإنه يجب ربط الاستراتيجية الجديدة للبقاء على سدة النظام الدولي ومواجهة التحدي الصيني بالوضع الجديد في وسط آسيا الذي تعتبر الصين أحد أهم مكوناته. لذا، فإنه من غير الممكن تحقيق اختراق استراتيجي مع الصين على الصعيد الدولي بدون اعتبار منطقة وسط آسيا مربع رئيسي للمواجهة. ويمكن القول أن الصين ليست المقصود الوحيد من الاستراتيجية الجديدة، فروسيا هي الأخرى إحدى العناوين المهمة في هذا الوضع الجديد الذي تحاول واشنطون الوصول إليه. 

الاستراتيجية الجديدة للانسحاب من أفغانستان ليست جديدة كليا فقد كانت مطروحة دائما على الطاولة عن طرح مسألة الأمن آسيا الوسطى لكن المتناقضات لم تكن قد اختمرت بعد كما هي الآن في المنطقة. هذه الاستراتيجية تستند إلى استراتيجية قديمة للمستشار الألماني بسمارك تقضي بأنه من أجل تهيئة الأجواء للسيطرة الألمانية الكاملة على شرق ووسط أووربا، فإنه يجب حث الروس على الانسحاب من شرق أوروبا ومنطقة البلطيق عبر جر القصر في سان بطرسبيرج في سلسلة من الصراعات والنزاعات التي لا تنتهي خارج القارة الأوروبية. لذا، فقد قام بسمارك غير المنفتحة شهيته على الصراع الكولونيالي الأوروبي على المستوطنات باحتلال جزر سليمان وبابوا غينيا الجديدة والماريانا وجزر أخرى في المحيط الهادئ من أجل سحب روسيا القيصرية المهتمة في ذلك الوقت بالقوة البحرية ناحية الشرق، وهو ما نجح فيه فعلا وتحقق له السيادة على وسط أوروبا لفترة طويلة.  

وهو ذات ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في الحالة الأفغانية. فقد أقدمت على التعامل مع صراعات المنطقة من منظور مختلف أكسبها عمقا في التعامل وسيجني لواشنطون المزيد من الأرباح في المستقبل. فعندما كانت القوات الأمريكية في أفغانستان، كان استقرار وأمن أفغانستان والمنطقة بأسرها هو الهاجس الأمريكي الرئيسي. لكنها مع نهاية الفترة الثانية لأوباما، تم النظر في أهمية الاستفادة من تلك الصراعات في التخديم على الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في العالم لاسيما احتواء الصين في الباسيفيك وروسيا في أوروبا. 

لذا، فإنه مع الخروج الأمريكي من أفغانستان أصبح العبء الأمني في المنطقة غير أمريكي وتسارع الصين وروسيا الخطى في هذه الأوقات لضبط منظومة الأمن في الإقليم والتعاون مع طالبان بكل السبل الممكنة حتى لا ينهار النموذج الجديد ويجرف معه كثقب أسود كل الأطراف الفاعلة في المنطقة، وهو غالبا ما سيكون. فالقدرة على السيطرة على تناقضات وصراعات هذه المنطقة من العالم تتضاءل يوما تلو آخر، والكل في انتظار اشتعال فتيلة نزاع فوق كومة براميل البارود القوقازية. والولايات المتحدة ستكون أولى الفاعلين والمبتهجين. 

لاشك أن هذه الاستراتيجية ستؤتي أكلها من حيث تحجيم روسيا التي تحاول ابتلاع أوكرانيا أو الحصول على ضمانات أمنية بدلا من ذلك، وكذلك الصين التي تدخل في صراعات وجودية مع دول بحر الصين الجنوبي حول السيادة على ذلك البحر الذي تعبره خمس التجارة الدولية العابرة لمضيق ملقا الاستراتيجي.  

فعلى الجبهة الصينية، سيؤدي تشابك الصراعات في منطقة آسيا الوسطى إلى تعطيل جزئي أو كلي لطريق الحرير الجديد، مما يعني ضرب التقارب الصيني الباكستاني وإعادة باكستان إلى خط واشنطون، إلى جانب ضرب الخطط الصينية لإدماج طهران في التجارة الدولية عن طريق مبادرة الحزام والطريق حيث يعتبر ميناء جوادر الباكستاني محطة أساسية في هذه الاستراتيجية. كما أن تصاعد الصراع في منطقة وسط آسيا لن يستثني إقليم تشانجيانج وستطاله جذوة الصراع مما سيشتت القيادة الصينية التي كانت في الماضي القريب تركز جهودها على الاتجاه الاستراتيجي الشرقي فقط على المحيط الهادئ. وهذا هدف مهم جدا للقيادة الأمريكية التي ترى في خفض النزاع حول بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان أولوية استراتيجية في الوقت الراهن. 

أما فيما يخط روسيا، فإنها ستكون الأكثر اهتماما بقضية الأمن في منطقة بحر قزوين بسبب الانكشاف الاستراتيجي الروسي من جهة الجنوب وقد يدفعها للتخلي عن كثير من الخطط والتطلعات في شرق أوروبا والبلطيق لاسيما إذا كان هناك تهديد حقيقي وصارخ. 

إن الخروج الأمريكي من أفغانستان  أو بالأحرى الاستراتيجية الأمريكية الجديدة - سيؤدي إلى تصاعد النزاعات على أكثر من صعيد مما سيضع المنطقة بكاملها على شفير الهاوية وهو ما سيصب في اتجاهات استراتيجية كبرى على رأسها ضرب الخطط الروسية والصينية للتكامل الأوراسي وإجبار روسيا على التراجع في شرق وشمال أوروبا كما أن ذلك سيؤدي للخصم من النفوذ التركي التاريخي في آسيا الوسطى. 

هذه هي اللعبة الكبرى الجديدة في القرن الحادي والعشرين. قواعد مختلفة تتماشى مع روح وتحديات ومتطلبات العصر، لكنها ستؤدي إلى تغيير لا يقل أهمية عن اللعبة الكبرى في القرن التاسع عشر: إنه الطريق المعبد نحو تكريس النظام العالمي الحالي أو ولادة نظام عالمي جديد. 

 

 

 

 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.