الخميس، مايو 28، 2026
حرب على المحك: التطورات الاستراتيجية المتسارعة واتجاهات الحشود العسكرية في خليج عدن
تقديرات / موجزات استراتيجية

حرب على المحك: التطورات الاستراتيجية المتسارعة واتجاهات الحشود العسكرية في خليج عدن

حرب على المحكالتطورات الاستراتيجية المتسارعة واتجاهات الحشود العسكرية في خليج عدن 

 

في وقت مبكر من يوم الثلاثاء الموافق 19 ديسمبر 2023، أعلن وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن خلال زيارته لمقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين عن تشكيل قوة متعددة الجنسيات لحماية طرق التجارة والاتصالات البحرية في البحر الأحمر يشارك فيها عشر دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا والبحرين وكندا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وسيشيل وإسبانيا 

هذه العملية التي أطلق عليها "حارس الازدهار" ستقوم  وفقا للإعلان الأمريكي - بدوريات مشتركة في مناطق خليج عدن وجنوب البحر الأحمر من أجل تيسير حركة التجارة وطمأنة الناقلين الدوليين الذين أعلن كثير منهم في الأيام الأخيرة إيقاف عملياتهم عبر البحر الأحمر وقناة السويس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح مع زيادة التكلفة ابتغاءا للأمان وابتعادا عن الاضطراب الكبير الذي أصاب مسار التجارة الدولية في البحر الأحمر في الآونة الأخيرة مع تصاعد عمليات الحوثيين قبالة باب المندب؛ دعما للقاومة في غزة حسبما تقول البيانات الحوثية. 

الانتشارات البحرية في باب المندب قبل 19 ديسمبر 

منذ نهاية أكتوبر الماضي، ومع توجيه الولايات المتحدة الحاملة جيرالد فورد من البحر الأدرياتيكي صوب شرق المتوسط دعما للموقف الإسرائيلي في الحرب ودرءا لأي توسع للعمليات القتالية مع حزب الله، قامت القيادة الوسطى بتوجيه قطعتين من المدمرات المرافقة لحاملة الطائرات فورد وهما يو اس اس كارني ويو اس اس ميسون إلى البحر الأحمر بعد تلقي إشارات حول تجهيزات حوثية لإطلاق صواريخ من الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي. 

وبالفعل قامت هاتين المدمرتين باعتراض عدة صواريخ جوالة ومسيرات على طول البحر الأحمر من شماله حتى جنوبه عبر أسابيع. ومع زيادة الضربات الحوثية، انضمت قوة بحرية بريطانية مكونة من مدمرتين بالإضافة إلى مدمرة فرنسية وقامت القوة المشتركة على مدار الأيام الماضية بإسقاط مسيرات وصواريخ حوثية في حوالي 12 نقطة جميعها جنوب البحر الأحمر. 

ومع تصاعد الضربات الحوثية، أعلنت شركات النقل البحري مثل ميرسك الدانماركية وسي ام ايه الفرنسية بالإضافة إلى ناقلات النفط الكبرى مثل فرونت لاين وسوان أتلانتيك والناقلات التابعة لبريتيش بتروليام تعليق عملياتها في البحر الأحمر لحين إشعار آخر؛ وهو ما دفع أسعار النفط على العقود الآجلة للارتفاع قرابة 3% في خلال 24 ساعة فقط. 

تهديدات جيوسياسية جسيمة 

تصاعد العمليات الحوثية وما نتج عنها من تعليق شركات النقل البحري لعملياتها في البحر الأحمر وما سبقها من التوترات الحادة في شرق المتوسط يشير إلى تزايد التهديدات والمخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط وفرض المنطقة نفسها مجددا بين الملفات الأكثر أولوية لدى الولايات المتحدة بعد أن سحبت واشنطن قدرا كبيرا من سلاحها الحاسم من المنطقة العام الماضي وإعادة توجيهه إلى مسرح العمليات في غرب الباسيفيك. 

هذا التصاعد المتزايد للمخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط يعيد تذكير واشنطن ببعض الحقائق الصعبة التي تتطاير أحيانا مع تصاعد أدخنة الصراع في الباسيفيك وعلى المسروح الأوروبي أحيان كثيرة. ومن بين هذه الحقائق الأكثر صعوبة أن الأوضاع الطوبوغرافية والجيو-استراتيجية والجيوسياسية في الشرق الأوسط هي الأكثر تعقيدا في العالم والأكثر تحديا لأي قوة عالمية لاسيما مع وجود أربعة مضائق استراتيجية في أرضه (هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق) من أصل 9 مضائق استراتيجية في كافة أنحاء العالم. 

هذه الممرات المعروفة في الجيوبوليتيك بنقاط الاختناق Choke Points تشكل نقاط حرجة طوال الوقت لحالة الأمن البحري لكنها في ذات الوقت تشكل مفرق الانتشار الأمريكي في عالم اليوم وتأمينها يعتبر أحد أوجه بسط السيادة الأمريكية في النظام الدولي المعاصر. 

وتقوم الولايات المتحدة بخطة تأمين استراتيجي شامل لهذه المضائق عن طريق وجود مادي دائم عبر قوات وقواعد بحرية وجوية أو عبر شراكات استراتيجية مع حلفاء رئيسيين (للمزيد: كيف تسيطر الولايات المتحدة علي الممرات الإستراتيجية في العالم؟) 

وفيما يتعلق بممرات الشرق الأوسط، فإن ما يجعلها أشد خطورة وأكثر جسامة أنها مرتبطة ببعضها ارتباط وثيق بما يجعل التأثير على أحدها تأثير على البقية، نظرا لأنماط التجارة العالمية وطرقها الرئيسية.  

فحاملات النفط القادمة من الخليج نحو غرب ووسط وشمال أوروبا أو الولايات المتحدة حتما ستمر بالممرات الأربع حتى تخرج إلى المياه الزرقاء في المحيط الأطلنطي. كذلك، فإن تجارة الحاويات بين الصين وأوروبا تمر حتى الآن عبر باب المندب وقناة السويس وربما جبل طارق إذا كانت الوجهة شمال أو غرب أوروبا. وبدون ذلك، فإن شركات النقل ستتكبد 3 أو 4 أضعاف تكلفة النقل عبر هذه الممرات عن طريق النقل عبر رأس الرجاء الصالح وهو ما قد يسرع الخطى نحو ركود عالمي ضخم بسبب ارتفاع التكلفة وارتفاع أسعار النفط بسبب التوترات الجيوسياسية في المنطقة. 

هذه الاتجاهات الاستراتيجية في التجارة الدولية والترابط بين الممرات الاستراتيجية الشرق أوسطية تترجم أي تهديد جيوسياسي إلى خطر جسيم في زمن قياسي وهو ما يتطلب إجراءات فورية من الولايات المتحدة لتأكيد سلطتها وسيطرتها على النظام الدولي وهي السلطة والنفوذ الذي يتشكل بشكل أساسي عبر حماية خطوط الاتصال البحري بما لديها من قوة بحرية واسعة النفوذ. 

 

شكل وطبيعة الإجراء الأمريكي الحالي لتأمين باب المندب 

في يوم 16 ديسمبر الماضي، نشرت مجلة بوليتيكو الأمريكية تصريحات لمسؤولين بارزين في إدارة بايدن يؤكدون فيها على اقتراب إدارة بايدن من حسم خيار الضربة العسكرية ضد الحوثيين كخيار أساسي لتأمين المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ولاستمرار خطوط الاتصال البحري عبر البحر الأحمر. 

وهو ما يشير إلى اتجاه حسم الجدل داخل الإدارة الأمريكية الذي أشارت إليه صحيفة وول ستريت جورنال مطلع ديسمبر الحالي حيث كان تيار كبير يعارض هذه الضربة على رأسهم جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي. 

 

قبيل نشر مجلة بوليتيكو هذا التقرير بأيام، وفي يوم العاشر من ديسمبر، تحركت مجموعة حاملة الطائرات الثانية (دوايت أيزنهاور  CVN69) من شمال الخليج العربي متجهة صوب خليج هرمز حيث وصلت خليج عمان في 15 ديسمبر الحالي. حيث رصدتها خدمات الأقمار الصناعية أمس الاثتين 18 ديسمبر في خليج تاجورة قبالة السواحل الجيبوتية في الاتجاه الجنوبي من باب المندب. 

 

وتزامنا مع إعلان وزير الدفاع الأمريكي من البحرين حول عملية "حارس الإزدهار"، قامت مجموعة حاملة الطائرات الأولى (كارل فينسون  CVN70بالانطلاق صوب مضيق ملقا من سنغافورة التي وصلتها قبل يومين قادمة من مناورة مشتركة أمريكية يابانية مع مجموعة حاملة الطائرات القتالية الخامسة (رونالد ريجان  CVN76) وحاملة المروحيات اليابانية هيوجا في بحر الفلبين. وكانت قد أجرت قبلها في 18 نوفمبر مناورات مشتركة مع البحرية الكورية الجنوبية في بحر الصين الشرقي قبالة مدينة بوسان الكورية. 

وتتداول مؤشرات شبه مؤكدة من اتجاه الحاملة فينسون صوب خليج عدن لدعم المجهود المشترك لقوات التحالف الدولي الذي تشكل منذ ساعات، وهو ما يؤكد على تزايد احتمالات توجيه ضربة مركزة لبنك أهداف عسكري لمنشآت حوثية على الأراضي اليمنية. 

 

وحتى الآن، لا توجد مؤشرات حول ما إذا كان انطلاق الحاملة فينسون من سنغافورة هو تغيير لوجهتها استجابة للطوارئ التي تزايدت حدتها في اليومين الماضيين خصوصا مع تعليق شركات النقل البحري الكبرى عملياتها في البحر الأحمر وتغيير وجهتها لطريق رأس الرجاء الصالح، أم أن هذا القرار كان متخذا منذ أيام مع انتهاء المناورة المشتركة مع القوات البحرية اليابانية في بحر الفلبين وكان توجه الحاملة فينسون لسنغافورة مجرد انتظار للأمر بالتحرك تزامنا مع إعلان وزير الدفاع الأمريكي الذي كان يدعم هو وقادته  وفقا لوول ستريت جورنال  توجيه ضربة مركزة للحوثيين منذ تصاعد العمليات في جنوب البحر الأحمر في الأسبوعين الماضيين. 

وهذا السيناريو الثاني هو الأكثر ترجيحا! فوفقا للمعلومات المتاحة، تعتبر المجموعة القتالية الأولى (كارل فينسون) هي مجموعة التأمين الأساسية في جنوب غرب الباسيفيك والتي تعمل متضافرة مع المجموعة القتالية الخامسة (رونالد ريجان) التي تنتشر في شمال غرب الباسيفيك. وهذا يعني أن انسحاب الحاملة فينسون ستخلق فراغا استراتيجيا في منطقة بحر الصين الجنوبي والبحار الأوقيانوسية المحيطة بأستراليا والمتحكمة في مضيق ملقا. 

لكن هذا الفراغ تم التحرك لسده قبل أيام وهذا ما يشير إلى أن هذا السيناريو مرتب قبل ذلك. فقد تحركت الحاملة لينكولن التي كانت تحيي ذكرى ضحايا بيرل هاربر في مرفأها الأساسي في سان دييجو بكاليفورنيا يوم 7 ديسمبر الماضي واتجهت نحو مناطق شرق الباسيفيك حيث تشير توقعات إلى أن تصل إلى هاواي خلال 48 ساعة لتحل محل الحاملة فينسون في بحر الفلبين بحلول نهاية الشهر الجاري. 

الأبعاد الاستراتيجية لنشر حاملتي طائرات في باب المندب 

يمكن اعتبار توجه الحاملة أيزنهاور من الخليج العربي نحو خليج عدن في إطار العمليات العادية للقوات البحرية الأمريكية حيث يقع كلا من الخليج العربي والبحر الأحمر في نطاق مسؤولية الأسطول الخامس الأمريكي 5th Fleet AOR 

لكن ما يشير إلى احتمالات التصعيد هو انطلاق الحاملة فينسون في اتجاه غرب المحيط الهندي نحو بحر العرب. فالحاملة فينسون تنتمي في الأساس إلى مجموعة الأسطول السابع الأمريكي المنتشر في الباسيفيك والذي يقع مقرها في هاواي وتتخذ من سان دييجو بكاليفورنيا مقرا لها. في حين يتم تخصيص حاملات الطائرات التي ترسو عادة على المحيط الأطلنطي في نورفولك فيرجينيا لأعمال الأسطولين الخامس والسادس. 

ولا يتم إرسال قطع بحرية من الأسطول السابع للأسطول الخامس إلا في حالات قليلة جدا أو في حالات الطوارئ مثل إرسال نفس الحاملة (كارل فينسون) في عام 2015 للاشتراك في الحملة ضد تنظيم الدولة بدلا من الحاملة جورج بوش التي كانت تعاني مشكلة طارئة في الوقود النووي وتم إرسالها إلى مرفأ نورفولك في فيرجينيا من أجل تغيير الوقود النووي وعادت واشتركت في نطاق مسؤولية القيادة الأوروبية ثم عادت إلى نورفولك مجددا منذ أشهر لإجراء إصلاحات مكثفة. 

في الخليج العربي، ووفقا لخطة استجابة الأسطول الجديدة، تحل مجموعة سفينة الإنزال البرمائي (باتان  LHD5) المسلحة بطائرات اف-35 النسخة العمودية وطائرات هاريير العمودية محل الحاملة أيزنهاور التي ذهبت إلى خليج عدن. وبالمثل، فإن سفينة الإنزال البرمائي (يو اس اس أميركا-LHA6) تقترب من بحر الصين الشرقي في اتجاه بحر الفلبين لتحل محل الحاملة فينسون لحين وصول الحاملة لينكولن إلى منطقة عمليات جنوب غربي الباسيفيك. 

تنتمي حاملتي الطائرات أيزنهاور وفينسون لطراز نيميتز الذي يعتبر الطراز الأغلب في الأسطول الأمريكي وتضم مجموعة نيميتز الضاربة جناحا جويا هجوميا (متوسط 75 طائرة) وطرادا وسرب مدمرات بالإضافة إلى سفن الدعم والإسناد اللوجستي. 

لذلك، فإن وصول عتاد عسكري كثيف بهذا الحجم يشير بشكل متزايد إلى احتمالية توجيه ضربة للحوثيين وليس فقط لمهام التأمين. فمهام التأمين تتطلب وجود مدمرات لديها منظومات اعتراض جوي وليس حاملات طائرات تحمل جناحين جويين هجوميين. 

وفي تقديري أن هذا الحشد الذي يتزايد على مدار الساعة من قوات أمريكية وبريطانية وفرنسية وأسبانية قد يكون الغرض الآني منه إرغام الحوثيين على الاستجابة للمطالب المعروضة عبر الوسيط العماني. وفي حال عدم الاستجابة ستكون الضربة الجوية المكثفة مسألة وقت. 

وما يشير إلى وضوح المهمة الهجومية لهذا التحالف عدم اشتراك اليابان فيه رغم الاهتمام الياباني المتزايد بالأمن البحري في الشرق الأوسط ومنطقة القرن الأفريقي بشكل خاص. فاليابان غير مهتمة بأن يكون لها أي دور عسكري في أي تحالف هجومي في المنطقة لأنه لا يخدم الأهداف الاستراتيجية لطوكيو بشكل عام. 

وبالنظر إلى الحرب في غزة، فإن اشتعال جبهة إضافية في المنطقة سيكون خصما من الزخم الدولي الموجه بشكل أساسي نحو هذه الحرب؛ لاسيما وأن اشتعال جبهة جنوب البحر الأحمر بما لها من ارتباطات جيوسياسية وجيواقتصادية واقتصادية وتجارية كبيرة سيكون لها رصيد أكبر من الاهتمام بما لها من عمق يمس اتجاهات الأمن والاستقرار العالمي. وهذا يصب عمليا في صالح إسرائيل وخصم من حالة الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية. 

وفي الأغلب قد تتخذها إدارة بايدن أداة في إعادة تسويق صورتها التي اهترأت بسبب الدعم غير المحدود لإسرائيل في حرب غزة كراعية للأمن الدولي ومقاومة لمحاولات الشغب على السلام العالمي، ونصرا تكتيكيا يمكن ترويجه من قبل إدارة بايدن في دعم جهود إعادة ترشيحه لمقعد الرئاسة. 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.