الخميس، مايو 28، 2026
أمن القرن الأفريقي في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015
نظرة علي الأحداث

أمن القرن الأفريقي في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015

أمن القرن الأفريقي في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015 

أنس القصاص  باحث في الشئون الدولية والاستراتيجية 

تعتبر منطقة القرن الأفريقي من بين مناطق الصراعات الأشد سخونة في العلاقات الدولية وذلك نظرًا لعوامل كثيرة ومتضافرة. فبلدان تلك المنطقة تعاني من صراعات سياسية عميقة يفتقد في إطارها الإجماع الوطني في عصر ما بعد الإمبريالية، في إطار بيئة إقليمية تسودها تجاذبات الهوية وطواحين التشكلات الاستراتيجية المحيطة بها. فمنذ ما يقرب من قرن ونصف، كانت منطقة القرن الأفريقي ولا زالت مسرحًا لصراعات القوى الدولية منذ أن نشأت الرغبة لدى بريطانيا للسيطرة على البحر الأحمر في إطار خطتها الشاملة لتأمين خطوط الإمداد بينها وبين الهند درة تاج إمبراطوريتها القديمة بعد افتتاح قناة السويس في منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث تزامن ذلك مع المحاولات الدؤوبة للأسرة العلية في مصر للسيطرة على مياه النيل ومنابعها في هضبة الحبشة والبحيرات العظمى في وسط القارة الأفريقية. في القرن المنصرم، جاءت الحرب الباردة لتضيف لأزمة القرن الأفريقي مزيدًا من البنزين حيث كانت إحدى مسارح ذلك المنحنى الاستراتيجي فائق الأهمية في بنية العلاقات الدولية المعاصرة. بعيد انهيار سور برلين والتحول الضخم الذي حصل على إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد تلازم مع هذا الانهيار تصدعات أخرى في جنبات النظام الدولي أقل حدة ووطأة وإن لم تكن محدودة الأثر. فقد انهار النظام الماركسي الصومالي بزعامة محمد سياد بري ومن ثم بدأت الحرب الأهلية الصومالية. بعدها بسنتين اندلعت الحرب اليمنية ثم تلاها بسنوات قليلة تفجير سفارات الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام ثم تدمير المدمرة USS Cole قرابة شواطئ عدن. ومع الأحداث المزلزلة في سبتمبر 2001، دشنت الولايات المتحدة الأمريكية حلفها الدولي للحرب العالمية على الإرهاب. 

وقد كان حظ القرن الأفريقي من هذه الخطة وفيرًا وقد كان له مظاهر وتداعيات عديدة لا يزال المجتمع الدولي يتجرع آثارها حتى الآن. فقد تلى تلك الخطة ظهور المحاكم الإسلامية وما وفرته من منظومة اجتماعية وقانونية بل وحتى مسلحة في بعض الأحيان حتى وصول جناحها المعتدل بزعامة شريف شيخ أحمد للحكم في 2009. وبعد أن تصدرت الأزمة الإرترية الأثيوبية لسنوات، ظهرت الصومال كملعب مفتوح لتصفية حسابات القوى الإقليمية (إريتريا وأثيوبيا وكينيا والسودان أحيانًا) في إطار محاولات حثيثة من أديس أبابا التي تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي على فرض مبادئ وقواعد وبنى جديدة في الصومال حسب معايير أديس أبابا وحلفائها لتحقيق لأمن والاستقرار الإقليمي. كذلك، فقد شكل الصومال بؤرة توتر دولية بسبب أمرين: الأول حركة شباب المجاهدين شديدة الصلة بالقاعدة (لاسيما تنظيم شبه الجزيرة الذي يتخذ من اليمن على الشفة الأخرى من بحر العرب مقرًا له) والثاني أزمة القرصنة التي استعصت على الحل لسنوات وهددت خطوط التجارة الدولية بشكل حاد. ومن أجل فهم دواعي القلق الدولي حيال أزمة القرن الأفريقي يجب النظر في الثقل الجيوستراتيجي للمنطقة وآثاره على البيئة الدولية ككل ومن ثم تأثيراته على الاستراتيجية العالمية وفي القلب منها الأمريكية. 

التشريح الجيوستراتيجي للقرن الأفريقي 

في المبتدأ يتعين النص على أنه لا يوجد تعريف موحد لمنطقة القرن الأفريقي على الساحة الدولية وذلك على اعتبار تباينات الجهات الدولية في النظر للديناميات السياسية والاجتماعية والاثنوجرافية بالمنطقة. فتارة ينظر لدول الصومال وجيبوتي وأثيوبيا وإريتريا على أنها دول القرن الأفريقي دون ما عداها. وهذا عادة يكون لدى الأجهزة الدبلوماسية والعسكرية حسب التعريفات الجيوستراتيجية التقليدية. وفي بعض الخرائط الأخرى تضاف كينيا والسودان أو كينيا أوغندا بل وأحيانًا كل ما مر بالإضافة إلى تنزانيا. وهذه في العادة تعريفات المنظمات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية كمنظمة الفاو وبرنامج الغذاء العالمي وكذلك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونسكو وخلافه. 

 

 وفي خرائط أخرى نادرة تعتبر الصومال القديمة الموحدة (الصومال وصوماليلاند وجيبوتي) هي بمفردها منطقة القرن الأفريقي. ويجب الأخذ في الحسبان أن هذه التقسيمات ليست اعتباطية كما أسلفنا بل يدفع نحوها إطار فكري سياسي واجتماعي بل واستراتيجي في نفس الوقت. فالخرائط القديمة التي تعتبر منطقة القرن الأفريقي لا تتعدى أراضي الصومال وجيبوتي وبعض المناطق الشرقية من أثيوبيا والمقاطعات الشمالية من كينيا تم بناؤها على أساس الارتباط الوثيق لكل هذه الشعوب منذ فترات بعيدة بالبحر وكذلك الحقيقة الجيوسياسية الماهانيةi القائلة بأن كافة المساحات السهلية تتآذر مع بعضها البعض لتشكل كتلة متصلة حتى أقرب وصولاً إلى أقرب منصة لها على البحر. ومن ثم فإنه ما من أثر للدول الحبيسة يمكن أن تقوم به في شكل تلك المنطقة المطلة على البحر أو أن تنافسها به. ويمكن بلا شك فهم الورطة الأثيوبية بعد انفصال إريتريا في هذا الإطار. 

 

 أما الخرائط الأخرى التي تضم دولاً كالسودان وتنزانيا وكينيا، فقد تم تصميمها على اعتبار الاتصال الجيوسياسي الديناميكي بين الساحل البحري ومنابع النيل في هضاب الحبشة والبحريات العظمى في وسط القارة الأفريقية حيث تعتبر المنطقة الواقعة بينهما منطقة واحدة. كذلك فإن الخرائط التي تضم هذه البلدان تستبطن الآثار المباشرة لأمن القرن الأفريقي وسيطرته على وسط القارة الأفريقية باعتباره منصة بحرية واسعة. وهذا يبرره التدخلات العسكرية السافرة من قبل التحالف الأثيوبي في الصومال والذي يضم قوات كينية وأوغندية وبوروندية كذلك. ويمكن التقريب بين الخريطتين باعتبار الأولى خريطة للقرن الأفريقي الصغير والأخرى خريطة للقرن الأفريقي الكبير.ii 

 

تموضع القرن الأفريقي في بنية النظام الدولي 

على مدار القرون الثلاثة الماضية، شكلت منطقة القرن الأفريقي أهمية متعاظمة في السياسة الدولية نظرًا لعدة أمور من أهمها موجات الاستعمار الأوروبي في شبه القارة الهندية وجنوبي شرق آسيا وافتتاح قناة السويس إلى جانب ازدهار خطوط التجارة ما بين شعوب بحر العرب والخليج العربي من ناحية ومنطقة شرق أفريقيا من الناحية الأخرى ثم ما تلي ذلك من اكتشافات النفط العربي وما تلازم معها من خطط القوى العظمى لتأمين منابع النفط وخطوط إمداده القريبة والبعيدة.  فالمنطقة مع بعدها النسبي عن الخليج ومنفذه على بحر العرب إلا أن هنالك أمر شديد الأهمية يجب الالتفات إليه هنا وهو وجود اتصال مائي بين شواطئ القرن الأفريقي وشواطئ بحر العرب مما ييسر عملية تأمين المنابع فضلا عن تأمين خطوط السير والإمداد البترولي الصادرة من منطقة الخليج والمنقولة لأعلى عبر البحر الأحمر فقناة السويس فالبحر المتوسط وصولاً إلى موانئ أوروبا الجنوبية والغربية. 

أما فيما يتعلق بالأهمية العسكرية لهذا الإقليم في إطار خرائط الانتشار العسكري للقوى العظمى والإستراتيجيات العظمى للقوى المهيمنة دوليًا وإقليميًا، فإن هذه المنطقة قد يمكن تصنيفها في المستوى الأول من الأهمية. وذلك نظرًا لأمرين: الأول بسبب موقعها الجغرافي الفريد والذي جعلها مطمعًا ومقرًا لنفوذ القوى الكبرى لاسيما الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي من ذي قبل. والثاني هو كونها محضنًا للصراعات والأزمات المتداخلة والتي فاقمت منها الجغرافيا لحد كبير. 

وعلى اعتبار الحقيقة القائلة بأن النظام الدولي الحالي هو نظام رأسمالي نيوليبرالي تقوم فيه وحداته الصغرى (سواءًا كانت دولاً حسب التعريفات الواقعيةiii أو شركات متعددة الجنسيات حسب التعريفات الليبراليةiv) بتوفير كافة ما يلزم من أجل حماية حركة التجارة ورأس المال الدوليv بداية من التشريعات والمؤسسات الحامية والراعية وصولاً إلى القوة العسكرية المملوكة لدول أو لشركات الأمن الخاصة، فإن هنالك عدة أمور يجب أخذها في الحسبان لدى تناولنا شأن القرن الأفريقي فيما يخص حركة التجارة الدولية: 

أولا: حسب كافة تطبيقات ومشتقات معظم البنى النظرية في العلاقات الدولية ونظرية هياكل القوة Power Structure Theory، فإن الولايات المتحدة تعتبر صاحبة الدور الأكبر والأوسع في النظام الدولي وبنيته وتركيبته الحالية منذ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي في بدايات العقد التاسع من القرن الماضي. وقد قامت لدى تشييد النظام الدولي الحالي بضمان أحادية القطب وتفردها على الساحة الدولية وعلى القرار الدولي لاسيما فيما يتعلق بقضايا التجارة والأمن الدولي حيث استغلت نفوذها الاقتصادي والعسكري (الرسمي والخاص عن طريق شركاتها متعددة الجنسيات) في السيطرة على القرار داخل مؤسسات القرار والنظام الدولي من أول مؤسسات بريتون وودز مرورًا بمجلس الأمن وغرف الأمم المتحدة ومجالسها وصولاً إلى المنظمات ذات الطبيعة المتخصصة كمنظمات العمل والتجارة والاستثمار وخلافه. وقد يكون من الصحيح اعتبار أن هذا مسعى أمريكي قديم يسبق انهيار حائط برلين بفترات طويلة وهو أمر صحيح من الناحية العملية لاسيما مع اعتبار الدور الرائد الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في قيادة وتعبئة العالم الرأسمالي ضد مشروعات الشيوعية الدولية وما سبق وتزامن مع ذلك من خطط إعمار أوروبا بُعيد الحرب العالمية الثانية. 

ثانيًا: من المعروف أن الخطة الأمريكية في التأمين البحري التي تتم عن طريق أساطيلها السبعة المنتشرة عبر محيطات وأبحار العالم تركز على حيادية أو بمعنى أدق "أمركة" أعالي البحار. إلا أن الخطة الأمريكية ذات الأولوية القصوى لدى صانع الاستراتيجية الأمريكية تكمن في الانتشار على رؤوس المضايق الاستراتيجية وفي محيطاتها وذلك عن طريق إجراءات شديدة التعقيد والدقة من أجل ضمان "سلامة التجارة العالمية" التي تنتج منها الولايات المتحدة قرابة الربع وتستورد منها ما يناهز الخمس كل عام.vi وتقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتأمين المضايق عن طريق خطة تأمين استراتيجي ترتكز على تأمين المحيط Periphery ثم التأمين من النقطة صفر (عند رأس المضيق ذاته). فعادة ما تحاط المضايق شديدة الحساسية كمضيق ملقا ومضيق هرمز ومضيق جبل طارق وباب المندب بتشكيلات بحرية ثابتة أو أن يكون على مشارف المضيق القاعدة البحرية الأساسية للأسطول الذي يغطي تأمين المضيق. وهذا حاصل في الحالات الآتية: 

  1. مضيق هرمز حيث توجد قاعدة الأسطول الخامس في البحرين التي تبعد أقل من 100 ميل بحري عن رأس المضيق والمحاطة بالفعل بقاعدتين إحداها قرب جبل علي في الإمارات والثانية في عمان. 

  1. مضيق ملقا والذي يتم تأمينه استراتيجيًا من قبل قاعدتي الأسطول السابع الأمريكي والقوات الجوية الأمريكية في شمال أستراليا وفي جزيرة جوام وتامينه من النقطة صفر عن طريق قاعدتين في سنغافورة وتايلاند. 

  1. مضيق جبل طارق ويتم تأمينه عن طريق قاعدتين تحيطان به من داخل البحر المتوسط وهي قاعدة في جنوب أسبانيا قرب المضيق وأخرى هي قاعدة جزر الأزور Azores الموجودة عند مخرج المضيق على المحيط الأطلنطي وبها أكبر قاعدة طيران أمريكية خارج حدود الولايات المتحدة. 

  1. أما مضيق باب المندب فيتم التامين بشكل استراتيجي من قاعدة دييجو جارسيا للإمداد البحري (كبرى قواعد البحرية الأمريكية في العالم) ثم من قاعدة سوقطرى قبالة سواحل اليمن في بحر العرب ثم من النقطة صفر عن طريق قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي في جيبوتي (والمعروفة كوديًا باسم قاعدة كامب ليمونيير) بالإضافة إلى المجموعة القتالية الثابتة في مياه بحر العرب والبحر الأحمر القريبة من باب المندب، هذا إلى جانب مجموعة مكافحة القرصنة التابعة للناتو. 

ويمكن قراءة خطط تأمين أعالي البحار وتأمين المضايق الاستراتيجية في إطار تحليل البيانات المتاحة حول تتبع حاملات الطائرات والقطع البحرية الأمريكية والتي يفرج عنها من قبل مؤسسات قريبة من البنتاجون كل نصف شهر. 

ثالثًا: مع اتساع قدرات حلف الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستغلاله من قبل الولايات المتحدة وجيشها كمظلة أمنية وعسكرية شاملة لها وكإطار عام لمحاولة تكوين إجماع دولي خارج منظومة الأمم المتحدة التي اعتراها الاهتراء نظرًا للتجاذبات الحادة التي تسود أجوائها ولا تؤهل لأي خطوة للأمام، فإن الولايات المتحدة تقوم بالاستعانة بقوات الناتو (لاسيما بعد النجاح الذي حققه الناتو في حملته ضد صربيا في أواخر التسعينات من القرن الماضي) في الأمور ذات الطبيعة الأمنية الحادة في النظام الدولي الحالي. ومن بين البقاع التي تشهد انتشارًا قويًا من قبل قوات الناتو منطقة القرن الأفريقي قبالة خليج عدن. فمنذ عام 2008، أصدرت الهيئة العسكرية للناتو قرارًا ببدء عملية "درع المحيط Ocean Shield" لمكافحة القرصنة في منطقة القرن الأفريقي وخليج عدن بموجب طلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في نفس العام.  

رابعًا: أدت تطورات دورة الرأسمال الدولي المتزايدة بالإضافة إلى التحورات العميقة التي أصابت البنية الاجتماعية الاقتصادية للمجتمع الدولي في إطار موجات القصف النيوليبرالي والعولمة والتسارع التكنولوجي إلى ضعف دور الدولة في بنية النظام الدولي (وإن كانت لا تزال الوحدة الأساسية المهيمنة على ذلك النظام) مما أسهم في اتساع رقعة نفوذ اللاعبين من غير الدول Non-State Actors لاسيما المنظمات الدولية والإقليمية ذات الطبيعة المستقلة والمتخصصة. لكن التطور الأخطر والأعمق من ذلك أن عولمة النظام الدولي التي أرادت بها الولايات المتحدة إحكام السيطرة على العالم عن طريق إخضاع العالم لنمط الحياة النيوليبرالي كانت هي الطريق المستقيم نحو داعش وغيرها من جماعات التطرف في العالم. فضعف دور الدولة المركزية في ظل خضوع دورة رؤوس الأموال لقواعد السوق الإقليمي والدولي وضعف تدخل الدولة فيها بالإضافة إلى التطور التكنولوجي الهائل وازدهار سوق السلاح ورخص أسعاره منذ تفكك منظومات عسكرية كبيرة كالاتحاد السوفييتي وحلف وارسو والاتحاد اليوغوسلافي أثمر في امتلاك الجماعات المسلحة ذات الفكر المتطرف والمعروفة لدى الناتو باللاعبين المسلحين من غير الدول VNSA ولدى الأمريكان بالجماعات المتطرفة العنيفة VEO. 

كل هذه الاعتبارات الأربع يجب أخذها في الحسبان لدى مناقشة الاستراتيجية الأمريكية في قضايا الأمن الدولي بشكل عام والإقليمي بشكل خاص. 

الاستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015: نظرة عامة 

عادة ما توجد لدى الدول ذات النفوذ الدولي والإقليمي مسارات تخطيطية متكاملة ومعقدة إلى حد ما، تبدأ في الأدنى من تخطيط المتابعات الحكومية ثم وضع خطط قطاعات العمل الحكومي والسياسات العامة للدولة وصولاً إلى الإستراتيجية العامة للدولة التي ينتظم في إطارها أعمال الدولة الداخلية والخارجية. لكن في الدول العظمى وبعض القوى المهيمنة إقليميًا توجد مدونة استراتيجية ترتقي فوق استراتيجية الدولة العامة بحيث تكون الأخيرة تبعًا لها في أحيان كثيرة وهي ما تسمى بالإستراتيجية العظمى Grand Strategy وهي بلا شك أعلى وثيقة استراتيجية وسيادية للدول الكبرى في الوقت الحالي. وعادة ما تكون تلك الإستراتيجيات العظمى استراتيجية عسكرية أو استراتيجية أمن قومي وذلك بسبب طبيعة النظام الدولي الحالية التي تميل في قدر كبير منها نحو "الأمننة Securitization" حسبما ورد أعلاه نظرًا لإيلاء أهمية قصوى في الربط بين مفاهيم دولة الرفاهية والسلم الدولي بمستوى تدجج الدول بالسلاح والأنظمة الأمنية والعسكرية المعقدة. 

وإذا كنا نتحدث عن أهمية ومحورية الإستراتيجية العظمى (العسكرية في اغلب وجوهها) لدى بعض الدول ذات النفوذ الإقليمي، فإن الأمر سيكون ذا بال خاص إذا ما تحدثنا عن محورية هذه الوثائق لدى الدول العظمى ولاسيما الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا التي تلعب أدوارًا شديدة المحورية في تشكيل نظام العالم القادم.  

لا تتمتع أي دولة من دول العالم بالتخطيط التداخلي الإدماجي عالي التعقيد على القدر الذي تتمتع به الولايات المتحدة. فالتباينات بين الخطط والإستراتيجيات الحكومية قد تكون في أقل مستوياتها على الرغم من اتساع مهام الحكومة وإداراتها. ويكمن الهدف الرئيسي من وجود استراتيجيات عظمى للدول هو تعزيز قدرات تلك الدول على وضع تفسيرات وقراءات محكمة للتهديدات الوجودية والبيئات الكبرى Macrocosm التي تعيش وتتعايش في إطارها تلك الدول وتشكيل الوجدان القومي في مسائل العداء والولاء واليقظة الإستراتيجية، وهو امر بلا شك ليس محل مناقشات الاستراتيجيات العامة للدول والتي تعني بشكل كبير بدفع نماذج التنمية والاستقرار والحوكمة. 

وتعتبر (الاستراتيجية العسكرية الأمريكية)vii أرقى وثيقة سيادية بالولايات المتحدة ويليها إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية ثم وثيقة السياسة المالية. وتصدر هذه الإستراتيجية على نحو غير منتظم حسب جسامة التهديدات ومتطلبات الاستجابة لها. وصدرت أول وثيقة بعد انهيار الإتحاد السوفييتي في عام 1991 ثم 1994، 1997، 2004، 2008، 2011 على التوالي. وتتولى رئاسة هيئة الأركان المشتركة تحرير بنودها بالتشاور مع أعضاء الهيئة والقيادات الجغرافية الموحدة ومكاتب وزارة الدفاع قبل عرضها على الكونجرس للموافقة عليها. 

وتناقش الإستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015 ضرورات مواجهة الدول ذات الطموحات الانتشارية والتي تشكل تهديدًا للأعراف الدولية وكذلك منظمات التطرف المسلحة والتي تقوض منظومة الأمن العابر للإقليم. كما تحدد الإستراتيجية الطرق والوسائل الإستراتيجية المثلى للقيام بتلك المواجهات وكسر شوكة الخصوم من الدول او الجماعات والتنظيمات. كما اعتبرت هذه الإستراتيجية أن صياغة التحالفات من بين حلفاء وشركاء الولايات المتحدة الدوليين لخوض تلك المعارك الدولية هي أمر أساسي لا يمكن الفكاك عنه. كما حددت الإستراتيجية بعض السلوكيات والخصائص التشغيلية والعملياتية التي يتوجب تعزيزها داخل أطر عمل القوات الأمريكية من اجل مواجهة التحديات وتقليص التهديدات المحددة. 

وتقوم الإستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015 على عدة محاور:  

أولًا: وضع قراءة للبيئة الإستراتيجية الدولية ومتغيراتها الأساسية.  

ثانيًا: وضع قراءة للبيئة العسكرية التي تعمل في إطارها القوات المسلحة للجيش الأمريكي وأجهزة المعلومات هيئات الدعم والإسناد الخاصة به 

ثالثًا: تصميم استراتيجية عسكرية متكاملة ومدمجة للتعاطي مع التحديات المعرفة في العنصرين الأول والثاني 

رابعًا: مبادرات التعاون والتحالف الدولي للقوات 

فيما يخص قراءة الاستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015 للبيئة الاستراتيجية الدولية فإن الوثيقة قرأتها في إطار ثلاثة سمات أساسية: 

أولاً: العولمة: وتمتد تأثيراتها لتشمل كافة جوانب النشاط الإنساني تقريبًا حيث تنساب المنتجات والمعلومات والبشر عبر الحدود على نحو غير مسبوق تاريخيًا على نحو يعتبره كثيرون محفزًا للنمو الاقتصادي، لكن على الجانب الآخر تزيد هذه التحركات التوترات الاجتماعية والمنافسة حول الموارد وتوسيع قواعد عدم الاستقرار السياسي. 

ثانيًا: انتشار التكنولوجيا: وهو أمر مترتب على العولمة، على أنه على ما به من أمور إيجابية إلا أنه يحمل مخاطر للولايات المتحدة يكمن بعضها في كسر الميزة التنافسية التي تتمتع بها أمريكا في التكنولوجيا العسكرية المتطورة كأنظمة الإنذار المبكر والقصف الموجه. 

ثالثًا: التحولات الديموغرافية: وهو أحد محركات البيئة الدولية في العصر الحالي. فمناطق الشرق الأوسط التي تواجه نقص في الموارد وضعف في هياكل الاقتصاد وشروخ في بنية المجتمع تتمتع بنمو مطرد في عدد السكان لاسيما الشرائح الشبابية، أما المناطق مرتفعة النمو في أوروبا وشمال وشرق آسيا تقل فيها معدلات النمو السكاني وتشيخ مجتمعاتها على نحو ملفت. كذلك، فإن حركات الهجرة من الريف إلى الحضر لا زالت على مستويات مرتفعة، كما ازدادت معدلات الهجرة غير الشرعية وما يلحقها من أعباء إقليمية ومحلية. 

وإذا ما حاولنا القيام بعملية نمذجة معرفية لهذه السمات الهولوجرامية للمسرح الدولي لفهم منطقة القرن الأفريقي في ظل هذه السمات الثلاث فإننا سنتوصل للآتي: 

أولاً فيما يتعلق بالعولمة، فإن تأثيراتها على أمن القرن الأفريقي تتجلى في انهيار الحدود السياسية على نحو متزامن مع النشاط الدولي لهذه الظاهرة منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي. كذلك، فإن العولمة الثقافية لم تكن بعيدة عن الإقليم فحدثت ثمة تحولات ثقافية ليست بالقليلة نظرًا لانفتاح الكثيرين من سكان هذه المنطقة (لاسيما جيبوتي وأريتريا) على الحالة الدولية نظرًا لأحوال سوسيولوجية وجغرافية تخص البلدين. لكن هنالك تأثيرًا متزايد الأهمية للعولمة أثر تأثيرًا مباشرًا على أمن المنطقة ألا وهو تدخل القوات الأثيوبية viii المدعومة أمريكيًا وإقليميًا في الصومال لمحاربة نظام المحاكم الإسلامية. فهذه التدخلات لها طبيعة عولمية تتعلق بالأساس بالاستراتيجية الأمريكية لإحلال الأمن والسلم الإقليمي عن طريق حروب التفويض proxy wars. وقد اتضح للولايات المتحدة فيما بعد خطأ هذا التدخل لاسيما بعد بروز التيار المعتدل داخل المحاكم بزعامة شيخ شريف شيخ أحمد. 

ثانيًا وفيما يتعلق بقضية انتشار التكنولوجيا، فإن التطور التكنولوجي الهائل يسّر وسهّل من مهام التواصل بين الحركات الجهادية كشباب المجاهدين وغيرها بالصومال مع فروع القاعدة بالخارج ولا سيما القاعدة في شبه الجزيرة العربية على الجانب الآخر من بحر العرب. بالإضافة إلى تسهيل التواصل، فإن الانتشار التكنولوجي أسهم كذلك في تسهيل صفقات السلاح ونقلها بسهولة متناهية إلى الأراضي التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة، أو على الأقل توفر تقنيات صناعة القنابل اليدوية وخلافها. 

ثالثًا وفيما يتعلق بالسمة الأخيرة التي وردت في تحليلات البيئة الاستراتيجية في الاستراتيجية العسكرية الوطنية الأمريكية 2015، فإن التحولات الديموغرافية ذات أثر بيّن في القرن الأفريقي عمومًا وفي الصومال تحديدًا حيث أن الحركة مستمرة ومطردة بين الداخل والساحل وبين مناطق الجنوب والشمال بسبب النزاعات الكثيفة في الجنوب، إلى جانب الانهماك الكثيف من قبل الشباب الصومالي منذ اعوام قليلة في عمليات القرصنة بسبب الفقر والعوز وشدة الحاجة مما سهل على القراصنة تكوين جيش كبير من عصابات السطو المدعومة تكنولوجيًا ومعرفيًا من قبل الشباب المتعلم الذي ينضم إليها.ix 

 

تحديات البيئة العسكرية في القرن الأفريقي 

تمتلك الولايات المتحدة أعتى جيوش العالم. وترتيبًا على هذه الحقيقة، فإنها تواجه مخاطر وتهديدات وتحديات جسيمة، منها ما يتعلق بها كقوة عظمى ومنها ما يتعلق بموقعها كحارس وشرطي للنظام العالمي أحادي القطب. وعلى الرغم من تركيز الاستراتيجيات السابقة التي سبقت 2015 على مكافحة شبكات العنف والتطرف بشكل أساسي، إلا أن هذه الوثيقة تولي اهتمامًا بالغًا بمواجهة اللاعبين الرسميين من الدول، لاسيما ذوي القدرة والطموح على تخصيب صواريخ بالستية وامتلاك تقنيات القصف الموجه والأنظمة غير المأهولة وتعظيم القدرات الفضائية والإلكترونية وكذا أسلحة الدمار الشامل واستخدامها كافة في مواجهة جيش الولايات المتحدة والخصم من مساحة نفوذه وإعاقة قدرته على السيطرة، وذلك حسب الوثيقة الحالية. هذا المشهد العسكري المركب يحتم على الولايات المتحدة، وفقًا للوثيقة، تخصيص مساحة أوسع في التخطيط الإستراتيجي للحروب الهجينة (التي يتم فيها الجمع بين آليات الحروب التقليدية وحروب العصابات) وهو اتجاه حديث في الاتجاهات العسكرية الأمريكية. ويمكن إسقاط هذا التحليل العسكري على الواقع في القرن الأفريقي بمعاييره على القضايا التالية لضمان تحقيق الأهداف العليا الأمريكية فيها: 

 

  1. خطر تضافر أزمة القرن الأفريقي مع الحرب اليمنية: يوجد خطر كبير تخشاه الولايات المتحدة ألا وهو تفاقم وتشابك الأزمة اليمنية لتصل إلى الجانب الآخر في منطقة القرن الأفريقي وذلك عبر طرق عدة:  

الأول: عن طريق هزيمة الحوثيين واستقرار الوسط والشمال في أيدي قوات التحالف السعودي المعتدل لكن مع قيام القاعدة في شبه الجزيرة بترسيخ أوضاعها في أماكن تمركزها بالجنوب ومن ثم تصبح ذات قدرة كبيرة لاسيما بخروجها بنشوة عالية من معارك الجنوب ضد قوات صالح والحوثيين ومحاولة مد يد العون (للأشقاء) في حركة الشباب المجاهدين على الجانب الآخر من البحر 

الثاني: هزيمة الحلف السعودي ومن يحارب حربه من الجماعات المتطرفة بالتوازي ضد الحوثيين وتمكن المعسكر الحوثي وجيش صالح المدعوم إيرانيًا من البلاد جميعها والتضييق على جماعات القاعدة في اليمن. فهذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة حسب بنود الاستراتيجية العسكرية 2015. فإيران لن تهدأ حت توسع من نفوذها الناعم في القرن الأفريقي لاسيما في الصومال عن طريق برامج الغذاء والدواء العاجلة وهو ما سيتطور في شكل وجود مادي حقيقي على الأرض في غضون سنوات قليلة. وهذه لعبة غاية في الخطورة بالنسبة للولايات المتحدة فأمن المضايق بالنسبة لها أمر لا يمكن المساومة عليه أو تركه للأمور القدرية. فإذا تركت إيران بعد أن يقدر لحلفائها النجاح ضد المعسكر السعودي فإنها ستتمكن من التحكم في مصير باب المندب على حفتيه وإخضاع الولايات المتحدة في باب المندب وفعل ما لم يتسنى لها فعله حول مضيق هرمز. ويعتقد أن الخطر الثاني أشد على الولايات المتحدة حسب استراتيجيتها الحالية لمواجهة الحروب الهجينة. ومن المعلوم أن إيران لديها قوات عسكرية شبه نظامية (قوات الحرس الثوري الإيراني) وهي قوات قادرة على خوض الحروب الهجينة في مناطق متسعة على النطاق الجغرافي وهذا هو الخطر الذي تخشاه الولايات المتحدة. 

 

  1. انتقال المواجهات بين الصين والهند للقرن الأفريقي: نشرت مجلة Canadian Naval Review في عددها الصادر في ربيع 2014 دراسة للأدميرال بحري روي توماس بالبحرية الكندية عن صراع جرى في 2009 قرب باب المندب بين غواصة هندية وسفينتين صينيتين تحاول تجربة أنظمة السونار الخاصة بها قبل أن تختفي الغواصة الهندية تمامًا.x ويرى توماس أنه لابد أن يكون هنالك دور للبحرية الكندية في مواجهات المحيط الهندي في المستقبل نظرًا لاحتمال تأثيرها على النظام الدلي بكامله.xi ومن المعروف أن المواجهات بين الصين والهند قد أخذت بعدًا متطورًا لاسيما في شتى البقاع الممكنة في المحيط الهندي والباسيفيك بعد تدعيم الصين تحالفها مع باكستان وتواجدها المستمر في بحر العرب قبالة السواحل الباكستانية وتدعيم نيودلهي تحالفاتها مع غرماء الصين في مجموعة الآسيان كسنغافورة وفيتنام والفلبين وكوريا الجنوبية. وهنالك بعد آخر يجب إلقاء الضوء عليه وهو أن الصين تتواجد على فترات متقاربة في منطقة بحر العرب القريبة من باب المندب بدعوى الإسهام في عمليات مكافحة القرصنة في القرن الأفريقي، بالإضافة إلى مصلحتها الكبيرة في وجود قوي في الصومال توازي به الوجود الأمريكي والفرنسي في جيبوتي وتدعم به مصالحها الاقتصادية مع شرق ووسط أفريقيا؛ وهي نفس البلدان التي تعتبرها نيودلهي مجالاً حيويًا لها نظرًا للعلاقات القديمة التي جمعت ممالك الهند القديمة بمنطقة شرق أفريقيا. انتقال تلك المواجهات ستسفر عن اشتغال الأوضاع في القرن الأفريقي عن طريق تدعيم لاعبين إقليميين للحرب بالوكالة لصالح بكين ونيودلهي. وهذا ينطوي على خطر كبير سيحدق بالنظام الدولي بأكمله وقد يفوق خطره خطر أي مواجهة برية بين الهند والصين. 

  1. خطر اتساع التمرد في القرن الأفريقي وانضمام المزيد للحركات المتطرفة: في ظل المؤشرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية المتدهورة بالمنطقة، فإنه يوجد خطر حقيقي من اتساع التمرد ليضم جماعات عرقية من شرق أثيوبيا وشمال كينيا أو السودان أو حصول تمرد بالجيش الأثيوبي أو الكيني والتقائهم في الأهداف مع الحركات الجهادية بالصومال. حينها ستكون الحروب الهجينة المتميزة بالتكتيكات النظامية وحروب العصابات هي الخطة الأساسية والقرصنة هي العمل الاقتصادي الأساسي لهذه الجماعات وسيتحول الأمر إلى كابوس مرعب للجميع. 

 

استراتيجية عسكرية متكاملة للجيش الأمريكي 

ترمي الوثيقة الاستراتيجية إلى مواجهة هذه المخاطر في إطار نماذج التخطيط عالية التعقيد التي تحدثنا عنها آنفًا وذلك من أجل: 

  1. حماية المصالح القومية الأمريكية (أمن الولايات المتحدة ومواطنيها وحلفائها، وتأمين الاقتصاد الأمريكي بتأمين بيئة الاقتصاد الدولي، واحترام القيم الإنسانية على أراضي الولايات المتحدة وخارجها، وكذا حماية النظام العالمي التي تقوده الولايات المتحدة والدفع نحو السلام والأمن والتعاون لمواجهة التحديات). 

  1. حماية مصالح الأمن القومي الأمريكي (بقاء الدولة، ردع الهجمات الكارثية على أراضي الولايات المتحدة، أمن الحلفاء وثقتهم في أمريكا، حماية المواطنين الأمريكان خارج البلاد، حماية القيم الإنسانية). 

وهذا سيتأتى، حسب الوثيقة، عن طريق تحقيق الأهداف العسكرية الوطنية. وهي متعددة حسب الوثيقة لكن بعضًا منها قد لا يتمت بصلة للقرن الأفريقي. فمن تلك الأهداف ردع وهزيمة أعداء الولايات المتحدة في حال أي هجوم مباشر عى الأراضي الأمريكية وهو أمر مستحيل بالنسبة لكل دول القرن الأفريقي مجتمعة. أما الأهداف ذات الصلة الوثيقة بمسألة أمن القرن الأفريقي فهي كالتالي:  

 

  1. دحر وتشتيت وهزيمة التنظيمات المتطرفة المسلحة: 

تقود الولايات المتحدة اليوم حلفًا دوليًا لهزيمة تلك التنظيمات في عدد من المناطق عن طريق ممارسة الضغوط على شبكات ومحاضن تلك التنظيمات. ويساهم جيش الولايات المتحدة بقوات قتالية محددة وتكنولوجيات خاصة وميكانيزمات تدريب محددة لدعم شركاء الولايات المتحدة المحليين استعادة وتأمين بلادهم. كما يتطلب دحر هذه التنظيمات، حسب الوثيقة، العمل على دراسة الوشائج بين تلك التنظيمات ومجموعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. والمقصود بالطبع في حالة القرن الأفريقي حركة الشباب المجاهدين والحركات الأخرى المسلحة المناوئة للجيوش المدعومة أمريكيًا كالجيش الأثيوبي والكيني في شتى أصقاع الإقليم، بالإضافة إلى تدمير أي اتصال ممكن بين حركة الشباب وكافة جماعات القاعدة في شتى أنحاء العالم. 

 

 

  1. تقوية الشبكة الدولية للحلفاء والشركاء: 

تعتبر الولايات المتحدة شبكة حلفائها القوية أهم نقاط القوة في الأمن والاستقرار الدولي، حيث تساهم تلك الشراكات في النمو والرفاهية حول العالم. كما ترى الوثيقة أن وجود القوات الأمريكية في مواقع رئيسية حول العالم أحد عوامل استقرار البيئة الدولية كما تعتبر مؤهلاً من مؤهلات الدول في الاستجابة للأزمات وقت حدوثها. 

وتقرر الوثيقة أن الولايات المتحدة ستواصل خطتها لإعادة هندسة التوازن بمنطقة الباسيفيك عن طريق تقوية تحالفاتها مع أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وتايلاند، وكذلك تعميق العلاقات الأمنية مع الهند ورفع مستوى الشراكة مع نيوزلاندا وسنغافورة وأندونيسيا وماليزيا وفيتنام وبنجلاديش. وتر الوثيقة أن هذه التحالفات مهمة لاستتباب السلام الإقليمي وبناء قدرات الدفاع الصاروخي والأمن السايبري ومنظومة الأمن البحري ومواجهة الكوارث. 

كما تقرر الوثيقة تجديد الولايات المتحدة إلتزامها مع حلف الناتو. وترى الوثيقة أن عملية "العزيمة الأطلسية" ضد الاعتداءات الروسية الحالية على شرق أوروبا وكذلك مبادرة الطمأنة الموقعة مع الأوروبيين وخطة استعدادات الناتو وغيرها من الممارسات تعتبر تدعيمًا لهذا التحالف والتضامن معه ومع وحدته وأمنه. وفي القرن الأفريقي ستسعى الولايات المتحدة كذلك نحو تطوير خطط مشتركة بين مجموعاتها القتالية في القرن الأفريقي وعملية "درع المحيط" التي يتزعمها الناتو لمكافحة القرصنة في القرن الأفريقي وخليج عدنxii، بالإضافة إلى التنسيق مع القوات الفرنسية الموجودة بجيبوتي والقوات الألمانية الموجودة بشكل موسمي في خليج عدن لحمايته. وتتمتع الولايات المتحدة بوجود قوي جدًا في منطقة القرن الأفريقي عن طريق قاعدة سوقطرى الجوية الاستراتيجية والتي حصلت عليها الولايات المتحدة من اليمن بموجب عقد تم توقيعه من علي عبد الله صالح في 2010 xiii بالإضافة إلى قاعدتها العتيدة في كامب ليمونيير بجيبوتي والتي تتولى عمليات ضرب القاعدة في جنوب اليمن بالطائرات غير المأهولة إلى جانب كونها مقر التنسيقات والتفاهمات العسكرية والأمنية الأساسية بالنسبة للقرن الأفريقي مع الحلفاء الإقليميين والدوليين. 

  1. الدفع نحو العمليات الموحدة: 

يتطلب إجراء العمليات الموحدة وجود قوة تحت قيادة موحدة قادرة على استعراضات القوة السريعة والحاسمة حول العالم. وحسبما تم النص عليه في إطار "مفاهيم كابستون للعمليات الموحدة 2020"، توجد العديد من المهام الأساسية لتلك القوات منها الاستحواذ ورفع اليقظة الدولية وتعزيز مستوى التضافر واستخدام الأسلحة والعتاد العسكري محدود البصمة. هذه العمليات تحتاج شبكة دولية من النقل والإمداد اللوجستي وما عدا ذلك من الاتصالات واعمال الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة.  

  • وهذه القوات، حسب الوثيقة، لديها أهداف محددة منها تأمين قوة الردع النووي وصيانة الدفاعات العسكرية للتراب الوطني وردع العدو ومكافحة أسلحة الدمار الشامل، لكن ما يمت لأمن القرن الأفريقي بصلة هي الأهداف التالية: 

  • تعزيز وجود دولي مستقر 

  • محاربة الإرهاب 

  • إعاقة الخصم عن الوصول لأهدافه 

  • الاستجابة للأزمات  

  • القيام بما يلزم من الإدارة العسكرية والتعاون الأمني 

  • القيام بعمليات تحقيق الاستقرار ومكافحة التمرد 

  • توفير الدعم للمؤسسات المدنية 

  • تقديم المساعدة الإنسانية والاستجابة للكوارث. 

وهي كلها أهداف يتم تحقيقها في إطار أعمال مكافحة الإرهاب والتمرد والقرصنة بمحيط القرن الأفريقي حسبما ما يتوافر من أنباء. 

خاتمة 

تولي الولايات المتحدة باعتبارها صاحبة القوة العسكرية الأعتى وأكبر متعامل تجاري في العالم بأمن القرن الأفريقي رعاية خاصة نظرًا لموقعة الجيوستراتيجي المتميز، وهو ما يشكل أعباء أمنية عليها نظرًا للواقع الملتهب الذي تمر به منطقة القرن الأفريقي منذ قرابة العقدين من مشكلات سياسية واجتماعية وديموغرافية وهوياتية. ويرى الأمريكيون، حسب وثيقة الاستراتيجية العسكرية الوطنية 2015 أن هذا الخطر سيتفاقم ليهدد النظام الدولي بأكمله إذا حصل اتصال بين الجزيرة العربية الملتهبة والمنخرطة في حرب مفتوحة بين حلف سعودي وحلف إيراني لا يمكن حسم نتائجه حتى الآن، بالإضافة إلى وجود خطر كبير في حال نقلت الهند والصين مواجهاتهما صوب القرن الأفريقي. الخطر الآخر عسكريًا في هذه المنطقة هو خطر على صعيد الأدوات حيث تتصاعد احتمالات وجود صراعات هجينة في المنطقة تمتزج فيها الاستراتيجيات التقليدية باستراتيجيات حرب العصابات من قبل جماعات العنف والتمرد وهو العنصر الأساسي الذي تركز عليه الوثيقة فيما يتعلق بتلك المناطق من النزاعات. 

 قد يجادل البعض في أن هذه الوثيقة في حاجة لإدماج بعض التوصيات الخاصة بأمور التشغيل والعمل في إطار القيادات الموحدة، لكن ما يهم غالبًا في الإستراتيجيات العسكرية هو تحديد التهديدات والتحديات الوجودية وما يلزم ذلك من تشكيل العقائد العسكرية والوجدان القومي ثم توفير الموارد لمجابة تلك التهديدات. ما دون ذلك على أهميته تعد أمور تكميلية لا تنتقص من الوثيقة شيئًا. وعلى اعتبار حساسية هذه الوثيقة، فإنها صريحة في كثير من بنودها لا تستخدم اللغة الدبلوماسية فيما يتعلق بالكشف عن مناطق العداء مع التزامها بالواقعية إلى حد كبير. ويمكن القول بأنه لدى مقارنة هذه الاستراتيجية بالوثيقة السابقة في 2011، فإن هذه الوثيقة تعد أكثر توازنًا لاسيما فيما يتعلق بكثافة حضور الصراعات التقليدية مع الدول وغير التقليدية مع تنظيمات العنف وما بينهما من الصراعات الهجينة. 

 

هوامش: 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.