استراتيجية الخروف الأسود:
هل تفلح الصين في كسر الحصار الأمريكي على الباسيفيك؟
أنس القصاص
باحث في الشؤون الاستراتيجية والدولية ومستشار سابق بالأمم المتحدة
(منشور بمجلة السياسة الدولية عدد يناير 2018)
بعد قصف البحرية الإمبراطورية اليابانية للقاعدة البحرية الأمريكية في بيرل هاربر أواخر عام 1941، قضت الخطة اليابانية بأنه من أجل كسب معركة الهادئ ومحاصرة الأمريكيين يتعين عزل أستراليا تمامًا؛ وذلك عن طريق السيطرة على منطقة الجزر الأوقيانوسية الممتدة من شمال بحر كورال وحتى بحر باندا قبالة جزر تيمور الشرقية مرورًا بجزر بابوا غينيا الجديدة وأرخبيل بسمارك وجزر سليمان البريطانية. قام اليابانيون بإنشاء قواعد بحرية وجوية في جوادلكانال بجزر سليمان من أجل استغلالها كنقاط سيطرة وتحكم على منطقة الأوقيانوسيا كلها ومن ثم الإمعان في خنق أستراليا وعزل جنوب الهادئ تمامًا. لكن الأمريكيين باغتوا القوات اليابانية في مقتبل إعداداتها في جوادلكانال عن طريق إنزالات جوية كثيفة على الجزيرة ثم استطاعوا بعد معارك شرسة مع اليابانيين طردهم من الجزيرة وكسر الحصار المتقدم على أستراليا. كانت الفرقة الجوية التي تولت تقويض الوجود الياباني على الجزيرة تعرف بفرقة "الخروف الأسود" وكان لها دور محوري في كسر ذلك الحصار عن جنوب الهادئ وكسر سلسلة الإمدادات اليابانية الجبارة والتي عرفها الأمريكان بقطار طوكيو السريع (Tokyo Express) وإدماج أستراليا بقواها الناعمة والخشنة كظهير للأمريكيين في الحرب.
بعد مرور سبعة عقود من الحرب، تقوم القوات الأمريكية بتقمص الدور الياباني في الحرب العالمية الثانية عن طريق القيام بفرض حصار متعدد المستويات Multi-Layered Siege على الصين: 1- حصار متقدم عن طريق قواعدها العسكرية القريبة من بر الصين ومجموعات القتال البحري التابعة للأسطول السابع وقيادة الباسيفيك إلى جانب تحالفاتها العسكرية والأمنية والاقتصادية المعقدة مع دول الآسيان ASEAN الممتدة من اليابان وكوريا الجنوبية في الشمال وحتى أستراليا وإندونيسيا وسنغافورة في الجنوب؛ 2- حصار بحري استراتيجي متأخر Rear Blockage من خلال نقاط الاختناق الاستراتيجية Choke Points في المحيط الهادئ. السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل الصين تمتلك "خرافًا سوداء" قادرة على كسر ذلك الحصار وتجاوز العتبة الإقليمية؟ وهل البحرية الصينية مؤهلة من ناحية القدرات والاستراتيجيات لمزاحمة القوات الأمريكية في السيطرة على أعالي البحار؟ وهل النظام الدولي الحالي يسمح بذلك، أم أن أمرًا كهذا سيودي بالأمن والسلم والدولي ويدفع في اتجاه حرب عالمية جديدة؟
تحولات مفهوم القوة البحرية Sea Power
خلال خمسة قرون مضت، تميزت جهود ومحاولات السيطرة البحرية بأنها لا أثر ملموس لها لكونها تجري في البحار والمحيطات البعيدة؛ لكنها في الواقع شكلت كبرى التحولات الاستراتيجية في المنظومات الدولية المتعاقبة. فمنذ بداية الرغبة في استكشاف العالم الجديد وما تبعه من تصاعد الضرورة في الاستعمار تحت ما بات يعرف فيما بعد بـ"عبء الرجل الأبيض"، كانت القوة البحرية هي البنية التحتية الأساسية لهذه الاستراتيجيات العظمى التي ساهمت في تكوين إمبراطوريات شكلت قلب العالم الحديث.
اعتبر علماء الاستراتيجية وفي طليعتهم ألفريد ماهان وكارل هاوسهوفر أن القوة البحرية Sea Power تتكون من مكونات ثلاث هم: القوات البحرية (Navy) والقواعد البحرية أو رؤوس الشواطئ (Beach Heads) كما أصبحت تعرف بعد ذلك؛ سواءا كانت مدنية (مثل القواعد التجارية لشركة الهند الشرقية في شبه الجزيرة الهندية في القرن السابع والثامن عشر) أو عسكرية ثم الأساطيل التجارية. وكانت الأساطيل التجارية هي أساس تلك المعادلة خلال القرن السابع عشر وحتى التاسع عشر نظرًا لقوة التوجه نحو المركنتيلية كمحور استراتيجي في صياغة سياسات القوة؛ بسبب الدور المتعاظم للشركات الأوروبية الساعية عن أسواق وموارد ما وراء البحار في صياغة السياسات الخارجية الأوروبية خلال تلك المرحلة. وقد كان هذا التوجه هو نتاج أصيل للثورة الصناعية التي ألهبت روح الامبريالية الأوروبية والشغف نحو فتح أسواق جديدة والسيطرة على الموارد والمواد الخام بأي ثمن حتى وإن كان بالبارود والطاعون.
تغيرت هذه المعادلة في مرحلة ما بين الحربين مع ظهور حاملات الطائرات التي قللت كثيرًا من دور القواعد البحرية ثم جاءت العولمة مؤخرًا لتقضى على أهمية الأساطيل التجارية في تشكيل القوة البحرية لدور ما نظرًا لحرية التجارة في أعالي البحار والتي تعتبر إحدى الأقانيم القانونية والسياسية والأمنية للنظام الدولي الحالي. ومن ثم تتلخص القوة البحرية في العصر الحديث بشكل شبه أساسي في القوة العسكرية البحرية.
إن كان للقوة البحرية من قصة تروى فإنها مولد تلك القوة العظمى التي انتقلت في القرن العشرين من شرق الأطلسي إلى غربه لكنها في نهاية المطاف لا زالت إرث الشعوب الناطقة بالإنجليزية. وهذه حقيقة استراتيجية وحضارية كبرى إذا أخذنا في الاعتبار مقولة المستشار الألماني بسمارك، التي ذكرها جورج لويس بير في كتابه الشعوب الناطقة بالإنجليزية، أن كبرى الحقائق السياسية في العصر الحديث هي أن أمريكا الشمالية تتحدث الإنجليزية.
جيواستراتيجية غرب الهادئ والتحدي البحري التاريخي للصين
ارتبطت الانتشارات البحرية في أغلب الأحيان بالاستعمار، وذلك خدمة لأهداف كولونيالية ذات أبعاد أمنية أو سياسية أو حتى اقتصادية كالحصول على المواد الخام أو فتح أسواق جديدة. وتباينت أهداف الاستعمار حسب مناطق العالم وثرواتها الطبيعية والبشرية ووضعها الجيو-استراتيجي كذلك، لكن كل هذه الأهداف اجتمعت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ Asia-Pacific. فهي تقريبا المنطقة الوحيدة في العالم التي تجمع فيها قوى استعمارية كثيرة ومتعددة الأغراض حيث تواجد الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والأمريكي جنبًا إلى جنب مع الهولندي والبرتغالي والياباني. هذا التواجد البحري المكثف من قبل القوى العظمى في مناطق الهادئ الأسيوي والأوقيانوسيا جنوب المحيط الهادئ جعل من الصعب على الصين خلق وجود مسلح لها في هذه المناطق وإن كان لها وجود تجاري معقول. وكان من الواضح أن الصين لن يكون لها أي دور بحري طالما ظلت الأوضاع البحرية في الهادئ على ما هي عليه؛ بل وساقت تلك الأوضاع الكثير من المتاعب للصين التي تعتبر جوهرة الباسيفيك الثمينة وغير المحمية.
فخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، شهدت الصين مآسي عديدة لا زال معظمها حاضرًا في الوعي الصيني حتى هذه اللحظة؛ وكان أكبر هذه المآسي مرتبط بشكل مباشر بضعف القوة البحرية الصينية. هذه الأحداث هي حروب الأفيون في منتصف القرن التاسع عشر والحربين اليابانية الصينية الأولى في عام 1895 والثانية في عام 1937 قبيل الحرب العالمية الثانية. فخلال حروب الأفيون في منتصف القرن التاسع عشر، لم تكن تمتلك الصين الإمبراطورية تحت قيادة سلالة تشينج أي قوات بحرية وهو ما تسبب في الاحتلال البريطاني لهونج كونج في أيام ثم غزو البر الصيني بعد ذلك بدون مقاومة بحرية تذكر. أثرت حروب الأفيون في الوعي الصيني حتى هذه اللحظة بسبب عجز وضعف الإمبراطورية عن الزود عن حقوقها وقدس أقداسها الذي تم تدنيسه. مع الغزو الياباني الثاني لبر الصين قبيل الحرب العالمية الثانية، كانت اليابان الإمبراطورية تحت قيادة القوميين اليابانيين خصمًا عنيدًا يدير معركته التوسعية على أنها معركة حياة أو موت وأذاقت الصينيين الأهوال وكان هذا الغزو هو الآخر استمرارًا لكؤوس المرار الذي ذاقته الصين على مدار عقود. لكن خصم الصين لم يكن ذا قدرات بحرية عادية؛ فحتى البريطانيون على سمعتهم البحرية خرجوا تمامًا من سنغافورة بعد أن أغرق اليابانيين المدمرات البريطانية الآتية للدعم بدون أي مواجهة عسكرية تذكر. كانت هذه العملية دلالة كبيرة بالنسبة للصين وكذلك الصراع البحري في غرب الباسيفيك والأوقيانوسيا. فبريطانيا بسمعتها البحرية النموذجية لم تتمكن من الاستمرار في هذه المنطقة فما بالنا بالصين التي لم تجرب وبشكل احترافي أي من عمليات الضبط والسيطرة الأمنية حتى على سواحلها.
التطور المتسارع للبحرية الصينية
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لاحت الفرصة للصين لإنشاء قوة بحرية استغلالاً للفراغ الذي ساد المحيط الهادئ بعد الحرب والهزيمة المنكرة للبحرية الإمبراطورية اليابانية وجيش الامبراطور، وكذلك استغلال الدعم السوفييتي في نقل معركة الحرب الباردة إلى الباسيفيك لاسيما بعد نشوب الصراع في شبه الجزيرة الكورية وبشكل مبكر. قام الشيوعيون الصينيون بزعامة ماوتسي تونج عن طريق مساعدة السوفييت بمحاولات خجولة لبناء وحدات بحرية من أجل تحقيق النصر في الحرب الأهلية الصينية ضد الوطنيين بزعامة كاي تشيك. بعد انتصار الشيوعيين بقيادة ماو قاموا بمحاولات تطوير للقدرات البحرية لكنها لم تتجاوز تطوير القدرات النهرية وأعمال خفر السواحل وبعض محاولات السيطرة الخجولة على المياه الإقليمية حتى انهيار الاتحاد السوفييتي أوائل التسعينيات حيث كانت موسكو تعادي بشكل قاطع أي تفوق صيني بحري في البحار الإقليمية الصينية والمحيط الهادئ لأسباب عديدة. وهذه المرحلة يسميها الاستراتيجيون بمرحلة المياه البنية (Brown Water) حيث القدرات المحدودة للدولة في السيطرة على مياهها. وكانت القوات البحرية خلال تلك الفترة تقع تحت القيادة الاستراتيجية للقوات البرية الصينية نظرًا لمحدودية عملياتها على الرغم من تصنيفها ثالث أقوى قوة بحرية في العالم بالنظر إلى عدد أفرادها وميزانيتها.
لكنه وفي خلال فترة التسعينيات، شهدت القوات البحرية الصينية تطورات ملحوظة تركزت في تطوير عمليات الأسلحة البحرية المشتركة والاستناد على قوة سلاح الغواصات في ضمان أمن المياه الإقليمية وسفن الهجوم السريع FAC في ضمان أمن السواحل. هذه المرحلة أطلق عليها مرحلة المياه الخضراء (Green Water) والتي تشير إلى تطور قدرات الدفاع عن المياه الإقليمية ضد أي خطر خارجي وهذه المرحلة ضرورية جدًا ضمن مساعي التأمين الاستراتيجي للدول ذات السواحل المترامية مثل الصين.
مع الألفية الجديدة، ومع تضاعف الناتج المحلي الإجمالي الصيني خمس مرات منذ خطة الإصلاح الاقتصادي التي اعتمدها دينج شياوبينج في الثمانينيات، كانت الصين في حاجة ملحة لقوة بحرية تتلائم مع اقتصاد الصين المتنامي. قامت الصين بتطوير شامل للقوات البحرية وقدمت للخدمة مدمرات عالية الكفاءة وأنظمة قيادة وسيطرة بحرية لإدارة عمليات في بحارها الإقليمية كعمليات بحر الصين الجنوبي والبحار البعيدة مثل عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن وكذلك المشاركة في مناورات عابرة للبحار مثل مناورة RIMPAC التي تعد أكبر المناورات البحرية حول العالم والتي تقودها الولايات المتحدة سنويًا من قاعدة بيرل هاربر بهاواي وسط مشاركة من أكثر من 24 دولة؛ وذلك قبل أن يتم إلغاء دعوة الصين للمناورة في 2018 على إثر الأزمة السياسية بين الولايات المتحدة والصين.
خلال مرحلة التطوير تلك قامت الصين بالإعلان عن أول حاملة طائرات صينية هي حاملة الطائرات لياونينج التي بدأ تشغيلها نهاية عام 2012؛ وهي حاملة مبنية على طراز حاملة الطائرات الروسية الشهيرة أدميرال كوزنتسوف وحمولتها تقارب 60 ألف طن وهي حاملة من ذوات القدرة المتوسطة وتعمل بمحركات ديزل. وتم الإعلان كذلك مؤخرًا في أواخر عام 2017 عن الانتهاء من بناء حاملة الطائرات الثانية (شاندونج) بنفس الحمولة تقريبًا لكنها لا زالت قيد التجارب والتأهيل.
قرار امتلاك حاملات طائرات ليس بالقرار المستحدث بل يعود لفترة الثمانينيات حيث صدر قرار من اللجنة العسكرية للحزب الشيوعي الصيني بإطلاق برنامج حاملات الطائرات غير النووية عن طريق الاستحواذ والتصنيع وتم التوصل لتفاهم مع السوفييت للاستفادة من خبراتهم المعقولة في هذا الخصوص. وتزمع الصين على إدخال حاملتي طائرات جدد بحلول عام 2030 يقال أن الرابعة منها قد تكون نووية، لكنه غير أكيد. لكن الاستراتيجية الصينية بإدماج حاملات الطائرات في عمليات الجيش الصيني سواءا في مياه الباسيفيك أو حتى في المياه الدولية يلحقها قصور شديد وفقًا لبعض تحديات الواقع السياسي وموازين القوى العالمية وفقًا لما يلي:
-
أن حاملات الطائرات الصينية على أهميتها فهي حاملات ذات قدرة متوسطة (60 ألف طن) تعمل بالديزل مما يعني أن متوسطة الكفاءة في العمليات البعيدة عن الشاطئ وهذا يجعل من احتمالية حصار قواعد القوات الاستراتيجية الأمريكية USSTRATCOM في جوام ويوكوهاما وداروين أمرًا شبه مستحيلا في ظل تدني كفاءة الحاملات الصينية حتى مع التطور الذي سيلحق بالنسخ المقبلة من الحاملات الصينية Type-001A تطويرًا على النموذج الروسي Type-001.
-
بالمقارنة البسيطة بين حاملتي الطائرات الصينية والحاملات الأمريكية فإن مقياس القوة هو 1:13 حيث أن مجموع قدرة حاملات الطائرات الصينية يبلغ 120 ألف طن في حين أن الحاملات الأمريكية CVN تبلغ مجموع قدرتها مليون وثلاثمائة ألف طن وجميعها يعمل بالطاقة النووية؛ مع استثناء حاملات المروحيات الأمريكية الثمانية الأخرى. وهذا يعني أن قدرة حاملة الطائرات الأمريكية رونالد ريجان تعادل قوة حاملتي الطائرات الصينيتين مع عدم اعتبار القوة النووية للحاملة الأمريكية في الميزان.
الدوافع وراء تطوير الصين للقوة البحرية
قامت الصين بتأسيس سياسات تمدد القوى البحرية لديها وفقًا لأكثر من عامل:
-
السياسات الأمريكية في منطقة غرب الهادئ: كان للحرب العالمية الثانية آثار شديدة الوطأة على منطقة غرب الهادئ أكثر من أي منطقة أخرى حول العالم. فالولايات المتحدة بعد زلزلة نظام هتلر والقضاء عليه لم تكن ترى في أوروبا أي خطر وجودي عليها سوى محاولاتها الحثيثة لاحتواء المد السوفييتي وبعض من تلك المحاولات كانت بإيعاز بريطاني ولم تكن له شهية أمريكية من الأساس على غرار الحرب الأهلية اليونانية والتدخل الأمريكي لمبادلة اليونان ببلغاريا مع الاتحاد السوفييتي. لكن الخطر الحقيقي الذي استشعره الأمريكيون كان مصدره المحيط الهادئ لأسباب عديدة:
أولا: شكل الطموحات اليابانية في السيطرة على مياه المحيط الهادئ إلى جانب قدرات البحرية الإمبراطورية اليابانية شديدة التطور وكذلك السياسات القومية المتطرفة مصدر تهديد كبير للأمريكيين ذاقوا بعض لظاه في بيرل هاربر وكان هناك خطط لتطوير الهجوم حتى الأراضي الأمريكية على شرق الهادئ؛ وفقًا لما أفصح عنه لاحقًا. طموحات اليابان في السيطرة على مياه الهادئ كانت الخطوة الثانية في خطة تاناكا لبسط النفوذ الياباني خارج الهادئ ومن ثم تكوين نظام عالمي جديد مع ألمانيا النازية يسيطر فيه الرايخ الثالث على أوروبا وروسيا وتسيطر فيه اليابان على الولايات المتحدة والصين وما تبقى بعد ذلك. من هنا كانت معركة الوجود الأمريكي في الهادئ ولم تكن في أوروبا وهذا يبرر شراسة معارك المحيط الهادئ التي تبارى فيها الأمريكان واليابانيين في الدفاع عن وجودهم فالخاسر فيها سيقابل بالجحيم في وجهه.
ثانيًا: كان لحرب شبه الجزيرة الكورية أثر صادم على العقل الاستراتيجي الأمريكي خلال تلك الفترة. فأزمة شبه الجزيرة الكورية كانت أشبه ببجعة سوداء كبيرة في المنظومة التي حاولت الولايات المتحدة هندستها لنظم العلاقات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. فخطاب الجنرال الأمريكي دوجلاس ماك آرثر على ظهر السفينة الأمريكية يو اس اس ميزوري في يوم الاستسلام الياباني كان مليئًا بأفكار وآمال عريضة لمستقبل مشرق تحكمه قيم السلم الأمريكي Pax Americana. هذه الأفكار والآمال ما لبثت أن أطيح بها بعد مرور خمسة أعوام فقط على بعد أقل من ألف ميل عن موقع استسلام اليابانيين. صدمة الحرب الكورية تلك جددت الخوف والتوجس الوجودي الأمريكي من تلك المنطقة حتى بعد أن كسبت أمريكا الحرب وسيطرت على جنوب شبه الجزيرة الكورية.
ثالثًا: شكلت سيطرة الشيوعيين الصينيين بزعامة ماو تسي تونج على بر الصين خطرًا مستفحلاً للأمريكيين واعتبروه نصرًا مؤزرًا لستالين ومنظمته الشيوعية العالمية. فدخول أكبر دول العالم من ناحية عدد السكان والمساحة الجغرافية في الأيديولوجيا والحلف الشيوعي المناهض للرأسمالية والليبرالية الأمريكية كان يعني أنه على الولايات المتحدة أن تخوض حروبًا صعبة في جنوب ووسط آسيا حفاظًا على وجودها القاري الأسيوي وحفاظًا على حلفائها المهمين في الهند وباكستان وإيران الشاهنشاهية. وهذا تأكد بعد ذلك مع أزمة الحكم الفرنسي في الهند الصينية والدخول الأمريكي على خط الأزمة واستنزاف الولايات المتحدة في أدغال فيتنام لأعوام عديدة.
رابعًا: صعود الصين بسرعة كبيرة إلى مربع الدول العظمى في أقل من ربع قرن أشعر الأمريكيين بالعجز وأنهم مهما فعلوا فسيأتي يوم ما يسلم فيه الأمريكيين الراية للصينيين الذين سيعلنون نظامًا عالميًا من هندسة الحزب الشيوعي الصيني أو يعلنها الأمريكيين حربًا عالمية جديدة لا تبقى ولا تذر. والذي يقض مضاجع الأمريكيين أن استغلال الصينيين لأدوات النظام العالمي الحالي، الذي ابتكره الأمريكان لضمان تفوقهم على غيرهم، يفوق بمراحل القدرة الأمريكية على استغلال تلك الأدوات لاسيما العولمة وإزالة الحواجز وفتح الآفاق أمام التجارة الدولية.
كل تلك الأخطار الوجودية والتوجسات التي تقلب فيها الأمريكيين خلال فترة الحرب العالمية الثانية وحقبة الحرب الباردة إلى الآن دعتهم إلى إيلاء مزيد من الاهتمام بغرب المحيط الهادئ باعتباره مصدر الخطر الوجودي على الأراضي الأمريكية؛ وهو الأمر الذي لم يتغير منذ الحرب العالمية الثانية حتى هذه اللحظة حيث أن العقيدة الدفاعية الأمريكية المتضمنة في استراتيجية الدفاع الوطنية الأمريكية لعام 2018 تعتبر الصين ثم روسيا ثم كوريا الشمالية كبرى الأخطار التي تواجه الوجود الأمريكي والنظام الدولي.
هذه الرؤى الأمريكية حول أخطار وجودية في غرب الهادئ واعتماد الاستراتيجية الهجومية مع غرب الهادئ يقابلها خوف صيني من تهديدات أمريكية وجودية تقذف بالصين إلى أعماق القرن التاسع عشر والذل الذي تكبدته الصين على يد الأوروبيين خلال حروب الأفيون. في ذات الإطار، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو جون ميرشايمر في كتابه "تراجيديا سياسات القوى العظمى" أن التسليم بعدم القدرة على الاطلاع على النوايا، والسيطرة على مخاوف الدول الإقليمية من محاولات القوى المهيمنة إقليميًا للسيطرة عليها، يدفعنا إلى فهم المكونات الدنيا للبيئة الدولية التي يشوبها الاضطراب وعدم التيقن. لذلك، فإن مخاوف من هذه النوعية قد تدفع العالم باتجاه حرب نووية أو باتجاه نظام عالمي جديد أكثر ازدهارًا. لكنه من المؤكد أن لعبة كتلك فيها منتصر وفيها مقهور.
-
حماية نمو الاقتصاد الصيني: عادة ما تقوم الدول بامتلاك القوة الخشنة وتطويرها وفقًا للاستراتيجيات الدفاعية وسياسات وعقائد العداء لدى كل دولة؛ لكن من بين الدواعي شديدة الأهمية لتطوير القوة الخشنة تأتي القدرة على حماية وحراسة المنجزات القومية سواءا كانت تلك المنجزات اقتصاد قوي أو بنية تحتية في المياه الإقليمية أو إدارة الدولة لعمليات اقتصادية خاصة بها عبر البحار أو الرغبة في الحفاظ على شراكات استراتيجية مع دول صديقة. وفي حالة الصين يمكن ادعاء أن كل هذه العناصر حاضرة لدى تطويرها لقواتها البحرية. فمع قيام الصين باعتماد سياسات الإصلاح الاقتصادي في الثمانينيات على يد تشاوبينج تضاعف الناتج المحلي الإجمالي GDP قرابة ثلاثين مرة وتضاعفت القدرة الشرائية PPP قرابة نيف وستين مرة. هذا التطور الذي شهده الاقتصاد تواكب معه تطور للقدرات الدفاعية في القوات البرية والجوية والبحرية وخصوصًا الأخيرة. في هذا الإطار يرى ميرشايمر أن الصعود الاقتصادي للصين سيكون له تأثيراته على الحالة الأمريكية وعلى النظام الدولي في المحصلة النهائية؛ حيث يرى أن صعود الصين كقوة عظمى أمر حتمي ما دام اقتصادها متعافٍ وعلى مسار النمو. وهذه القوة الاقتصادية، في رأي الواقعيون البنيويون الذين ينتمي إليهم ميرشايمر، قابلة لأن يتم تحويلها إلى قدرة عسكرية في أي وقت في المستقبل، تمامًا كما حدث مع الولايات المتحدة عندما تحولت من قوة اقتصادية مستقرة مع بدايات القرن العشرين إلى قوة عسكرية مهيبة واستطاعت بقدراتها العسكرية حسم أكبر حربين في التاريخ البشري. وتصنف القدرات العسكرية للدول التي تبني قوتها العسكرية وفقًا لقوة اقتصادها على أنها قوة مستدامة حيث أن إجمالي الإنفاق العسكري يتم تمويله من اقتصاد الدولة المتطور وتقوم هذه القوة العسكرية على صيانة تقدم وازدهار ذلك الاقتصاد وهكذا دواليك في عملية تبادلية مفتوحة بين النمو الاقتصادي والأمن الدفاعي. وهذا هو النموذج الذي تتبناه الصين وترعاه؛ أما القوة غير المستدامة فأشهر الأمثلة عليها القوة العسكرية للاتحاد السوفييتي التي لم تمنعه من الانهيار والتدهور والتفكك ثم ما لبثت أن تفكك معظمها هي الأخرى بسبب دواعي اقتصادية هيكلية وكذلك بسبب التحولات السياسية التي مر بها الاتحاد السوفييتي.
وفقًا لأفكار ألفريد ماهان التي طرحها في كتابه "تأثير القوة البحرية عبر التاريخ"، فإن الدول يجب عليها أن تولي اهتمامًا بقواتها البحرية كونها محفز من محفزات النمو في أوقات السلم لأن وقت الحرب لن يسمح لها بأي شيء لم تكن لها سطوة فيه من ذي قبل. وهذا ما تفعله الصين بالضبط فيما يتعلق بقواتها البحرية المنتشرة في بحر الصين الجنوبي والبحر الأصفر وبحر الصين الشرقي وتحديدًا البحر الجنوبي وذلك لأسباب عديدة من بينها أن بحر الصين الجنوبي يعبره قرابة ثلاثة أرباع تجارة الصين الخارجية وما يفوق ثلث التجارة العالمية حسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD لعام 2015؛ وذلك لكونه الممر الأيسر والأقصر لبضائع اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين وبعض البضائع الروسية العابرة إلى أفريقيا وأوروبا إلى جانب الصين بطبيعة الحال.
-
حماية الدولة من التفكك: تمتلك الصين سواحل مترامية تطل على أربع بحار إقليمية ولها نصيب كبير من المشكلات مع كثير من جيرانها في غرب الهادئ بسبب خلافات سياسية تارة واقتصادية تارة أخرى، هذا بالإضافة إلى الوجود الأمريكي العضوي داخل منظومة أمن الباسيفيك عن طريق أسطولها السابع والقيادة العسكرية الموحدة للباسيفيك. كل ذلك يعظم من مخاوف الغزو من البحر لاسيما وأن الصين عانت الأمرين من تلك السواحل المترامية خلال القرنين الماضيين أربعة مرات تكبدت الصين في آخرها وهو الغزو الياباني الثاني للصين 300 ألف قتيل بالإضافة إلى انتهاك اليابانيين للمدينة المحرمة وهو أعلى أشكال الإذلال بالنسبة للصينيين. لذا، فإن القوات البحرية الصينية تقوم بدور هام في حماية استقرار الصين وردع أي تفكير أو إقدام على غزو الصين مجددًا.
لكن يبقى السؤال: هل تطور البحرية الصينية بهذا الشكل وحلولها في المرتبة الثانية عالميًا بعد بحرية الولايات المتحدة يعني أن الصين بإمكانها مشاركة الولايات المتحدة السيطرة على أعالي البحار ومن ثم التحكم في مدخلات ومخرجات النظام الدولي؟
القوات الأمريكية في الهادئ وحصار الصين
حتى نتمكن من الإجابة على هذا السؤال يتعين علينا النظر في قوة العسكرية الأمريكية والاستراتيجية البحرية التي تنتهجها الولايات المتحدة لعرقلة الصين عن الوصول لمبتغاها.
وفقًا للأرقام والإحصائيات، تعتبر البحرية الأمريكية أقوى بحرية في التاريخ. فعدد حاملات الطائرات الأمريكية يفوق حاملات الطائرات في العالم أجمع مرة واحدة على الأقل وتفوق حمولة هذه حاملات الطائرات الأمريكية هذه على باقي الحاملات في العالم بثلاث مرات؛ كما أن حاملات الطائرات الأمريكية كلها هي حاملات نووية في حين أن الحاملات غير الأمريكية تعمل بمصادر أخرى للطاقة مثل التوربينات البخارية والديزل. تمتلك الولايات المتحدة أسطول غواصات نووية SSBN يضم 18 غواصة أربعة عشر منها مزودة بصواريخ Trident البالستية النووية. كما البحرية، تمتلك القوات الأمريكية أقوى سلاح جو على وجه الأرض يتخطى 8000 طائرة تتراوح بين طائرات متعددة المهام وطائرات هجومية وتجسس ونقل استراتيجي وخلافه.
يكرس الجيش الأمريكي قدر كبير من قواته للانتشار في المحيط الهادئ بسبب ظروف جيواستراتيجية ذكرناها آنفًا. فقيادة الباسيفيك يتبعها أكبر عدد للقواعد الأمريكية خارج أوروبا، كما أن الأسطول السابع الأمريكي المتمركز في يوكوسوكا باليابان هو الأسطول الوحيد الذي يتبعه حاملة طائرات خاصة به هي حاملة الطائرات رونالد ريجان في حين أن كافة حاملات الطائرات الأخرى العشر تسير وفقًا لخطة استجابة الأسطول FRP وتتبع عملياتيًا قواعد القوات البحرية في نورفولك فيرجينيا وبريمرتون بولاية واشنطون ونورث أيلاند بكاليفورنيا. ويتم نشر حاملة أخرى من بين حاملات الطائرات التابعة لقاعدة نورث أيلاند إلى جانب الحاملة رونالد ريجان بشكل دوري. كما تنتشر عبر غرب وجنوب الهادئ أسراب القوات الجوية الأمريكية والقوات الاستراتيجية وفيالق مشاة البحرية والقوات الخاصة ومحطات الاستخبارات العسكرية.
وينتشر الوجود الأمريكي في غرب وجنوب الهادئ على النحو التالي:
-
قيادة القوات الأمريكية في اليابان (USFJ) ويبلغ قوامها 50 ألف جندي وتتخذ من قاعدة يوكوتا الجوية غرب طوكيو مقرًا لها. وتتبع مباشرة قيادة القوات الأمريكية في الهندوباسيفيك USINDOPACOM الموجودة في هاواي. وتنتشر القوات الأمريكية في اليابان على قرابة 110 قاعدة جوية وبحرية عبر اليابان أكبر قواعدها في يوكوهاما جنوب شرقي طوكيو العاصمة. ويتبع هذه القوات القاعدة البحرية في يوكوسوكا باليابان والتي تعد مقر الأسطول السابع الأمريكي وهي أكبر قاعدة بحرية أمريكية في العالم خارج الولايات المتحدة، واللتي تعد مع يوكوهاما كبرى قواعد القيادة الاستراتيجية الأمريكية USSTRATCOM حول العالم. تبعد أقرب المنشآت الأمريكية في اليابان عن بر الصين أقل من ألف كيلومتر وبين شانغاهاي والقاعدة البحرية في يوكوسوكا أقل من 1500 كيلو متر.
-
قيادة القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية USFK ويبلغ قوامها قرابة 30 ألف جندي وتتخذ من معسكر هامفريز في مدينة بيونجتايك مقرًا لها ويفصل بينها وبين مدينة شينجداو أقرب المدن الصينية 500 كيلومتر فقط.
-
الفلبين: ويوجد بها أربع قواعد جوية أمريكية وقاعدة للقوات البرية الأمريكية. وتعتبر قواعد الفلبين المقر الرئيسي للعمليات الأمريكية ضد الجزر الصناعية الصينية في بحر الصين الجنوبي. جزيرة جوام الواقعة جنوب جزر الماريانا وتعتبر من إحدى مناطق الوجود الاستراتيجي للجيش الأمريكي حول العالم. وتستضيف جوام ثالث أكبر قواعد الدعم البحري في المحيط الهادئ بعد هاواي ويوكوسوكا والتي تتخذ مقرًا لسرب الغواصات البالستية الأساسي في الباسيفيك، إلى جانب قاعدة أندرسون الجوية التي تعتبر إحدى أهم القواعد الاستراتيجية للجيش الأمريكي حول العالم وتستضيف أسرابًا من طائرات القصف الاستراتيجي B-52 وطراز B1B-Lancer المتطورة.
-
قاعدة داروين بشمال أستراليا وتستضيف سرب من القاذفات الاستراتيجية المتطورة B2-Spirit وسرب من المقاتلات F-22 Raptor متعددة المهام؛ بالإضافة إلى محطة كبيرة للاستخبارات تعمل باعتبارها الفناء الخلفي لمحطة الاستخبارات الأمريكية في سنغافورة التي تعتبر المحطة الأساسية لمجتمع الاستخبارات الأمريكي في الباسيفيك.
-
قواعد جوية وبحرية واستخباراتية تكتيكية في ميدواي وجزر ماريانا الشمالية وجزيرة ساموا الأمريكية وتايلاند وإندونيسيا وسنغافورة وغرب أستراليا.
هل بإمكان الصين كسر ذلك الحصار والانطلاق نحو المياه الزرقاء؟
تشكل الانتشارات العسكرية الأمريكية في غرب وجنوب الباسيفيك شكل المنجل المحيط بالصين من كل اتجاهاتها الساحلية تقريبا. فهناك تشكيلين جغرافيين من الانتشارات العسكرية الأمريكية في غرب الهادئ أحدهما متاخم للبر الأسيوي يحيط به بداية من سهول منشوريا وحتى خليج تايلاند والآخر أشبه ببوابة تعزل غرب وجنوب الهادئ وتغلق عليه المجال وفقًا للقرار الأمريكي. وتمتد هذه الثانية من يوكوسوكا جنوب غربي اليابان باتجاه الجنوب حيث القاعدة اليابانية في أيوا جيما ثم الجنوب الشرقي حيث القاعدة الأمريكية في ميدواي ثم الجنوب الشرقي حيث القواعد الأمريكية البحرية والجوية في جوام ثم باتجاه الجنوب الغربي باتجاه القاعدة الأمريكية في داروين بشمال أستراليا.
هذه الانتشارات العسكرية تحوي تقريبا كل أسلحة الجيش الأمريكي بداية من فرق الرانجرز ومشاة البحرية مرورًا بتشكيلات البحرية وحاملات الطائرات وطواقم الغواصات والقوات الجوية والنقل الاستراتيجي وصولا إلى القوات الاستراتيجية وقوات المظلات وقوات الدلتا والقوات بعيدة المدى وفرق الاستخبارات. كل هؤلاء يشكلون طوقًا محكمًا على غرب وجنوب الهادئ المقصود الأساسي بهذا الطوق هي الصين. ليس هذا وحسب، بل إن الولايات المتحدة لديها تحالفات استراتيجية لها صبغة تاريخية مثل تحالفاتها مع اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وأستراليا. تحالفاتها تلك تعني أن كل هذه الدول هي مصدر بارود احتياطي إذا نفدت الذخيرة الأمريكية. ومعظم تحالفات الولايات المتحدة في غرب الهادئ من الدول ذوات الاقتصاد القوي بدعم مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة حتى تصبح تلك التحالفات في هذه المنطقة فعالة ومستدامة، بل ولدى بعضها خططًا وبنية تحتية للتطوير العسكري إن وافقت عليها الولايات المتحدة مثل الرغبة الياباني في امتلاك حاملة طائرات وكذلك جيش تايوان عالي التطور والذي يقع تحت الإشراف الأمريكي المباشر ناهيك عن الجيش الأسترالي الفتي الذي يدخل في وفاق تام مع الاستراتيجية الأمريكية حتى وإن كانت الوجهة خارج الباسيفيك كما حدث في أفغانستان والعراق.
كل هذا يجعل من المهمة الصينية مهمة صعبة جدًا ويجعل من موازين القوى في الباسيفيك في صالح الولايات المتحدة وتحالفاتها إلى حد كبير. لكن الصين التي يبدو وكأنها آتية من المستقبل ومبشرة بنظام عالمي جديد أمامها فرصة كبيرة إن أحسنت استغلالها قد يمكنها التغلب على ذلك الوجود الأمريكي الطاغي في الباسيفيك ومن ثم الانطلاق نحو أعالي البحار والسيطرة عليها.
هذه الفرصة تكمن في حقيقة أن القوة الأمريكية قد ترهلت إلى حد كبير ولم يعد بإمكانها السيطرة على العالم بالاقتصاد والثقافة والقيم قبل السلاح كما كانت في السابق. إن أزمة القوة الأمريكية رهينة بسياسات الداخل الأمريكي وهو يشهد تدهورات حادة على أخف تعبير.
لدى الصين هنا "خروف أسود" يمكنها به كسر ذلك الحصار المفروض عليها وهي أدوات ذلك الحصار نفسه. وهذا ما قامت به الصين فعليًا الشهور الماضية وإن كان بشكل خجول.
فالصين بعد إعلانها عن مبادرة طريق الحرير قامت باستمالة ماليزيا للدخول في المبادرة وقبلت ماليزيا بالفعل. حتى إن الحكومة الماليزية بعد تغييرها ووصول مهاتير محمد مجددًا لرئاسة الوزراء لن يمكنها الخروج من هذه المبادرة نظرًا لحاجة ماليزيا للأموال التي ستضخها الصين في الاقتصاد الماليزي. إندونيسيا وفيتنام وتايلاند كذلك قبلوا بالتعاون في إطار مبادرة "طريق واحد.. حزام واحد" مع بعض التحفظات. كما قام رئيس الفلبين رودريجو دوتيرتي بالإعلان عن التحالف مع الصين في طريق الحرير، وهو الإعلان الذي كان صادمًا نظرًا للاصطفاف التلقائي للفلبين مع الإرادة الأمريكية. ورغم تراجع رئيس الفلبين عن تصريحات التحالف إلا أن ما يتم على أرض الواقع الآن من مشروعات بنية تحتية بعد زيارة شبن بينج للفلبين لهو خير دليل على سطوة الصين وقدرتها على إزالة هذا الطوق الملفوف حول رقبتها.
هذا النموذج في كسر الحلف الأمريكي في الباسيفيك إن تم استكماله بضم متحالفين جدد مثل أستراليا (عن طريق استغلال العلاقات الجيدة بين بكين ولندن) إلى جانب إدارة حوار بنّاء مع تايوان وكوريا الجنوبية ثم شروع بكين في تحييد مشكلاتها مع اليابان وتوسعة استثمارات ودور البنك الأسيوي للاستثمار في البنية التحتية AIIB في دور غرب وجنوب الباسيفيك، فإن الصين ستضمن عندئذٍ الفوز على الولايات المتحدة في الجولة الأصعب وهي السيطرة على محيطها الإقليمي.
إلى جانب دبلوماسية طريق الحرير، تبرز العين الحمراء للتنين الصيني لاسيما في المطالبات غير المهادنة بالحق الصيني التاريخي في أرخبيل سينكاكو في بحر الصين الشرقي الذي تسيطر عليه اليابان منذ الحرب العالمية الثانية. لكن التركيز الصيني الأكبر هو في بحر الصين الجنوبي عبر المحاولات الصينية المستميتة لضم أرخبيل سبارتلي في بحر الصين الجنوبي واعتبار المنطقة ما بين سبارتلي وبر الصين الرئيسي منطقة اقتصادية خالصة EEZ، وهو ما يعني ملكية تبعية للصين على جزر بارسيل ببحر الصين الجنوبي. وهذه المطالبة لها وجه أمني يجب التنويه عليه وهو أن قاعدة الغواصة البالستية الصينية تقع بشبه جزيرة هاينان ببحر الصين الجنوبي ووجود القوات الأمريكية شواطئ الفلبين القريبة يسمح لها بالتجسس على تلك الغواصات والتنبؤ بتحركاتها واختراق أنظمة الاتصالات فيها. لذا، فإن المطالبة ببحر الصين الجنوبي بحيرة صينية خالصة هو من باب فرض السيطرة على المياه الإقليمية وتهيئة المجال البحري لحركة الغواصات الصينية وتأمينه من الاختراق الأمريكي. أما المحاولات الأمريكية لكشف حركة الغواصات جوًا عن طريق أسراب طائرات P-8 Poseidon المضادة للغواصات فإنه يمكن تحجيمها مع مرور الوقت مع تفعيل نظام مناطق تحديد الدفاع الجوي ADIZ على المنطقة الاقتصادية الخالصة ببحر الصين الجنوبي.
في الختام، يمكن القول أن الصين لن تتمكن من فرض نفسها كقوة دولية بدون التحرك الأولي بالسيطرة على مجالاتها الإقليمية عن طريق التركيز على دبلوماسية طريق الحرير متوازية مع المطالبات الخشنة في بحر الصين الجنوبي والشرقي ومضيق تايوان. إذا امتلكت الصين حق السيطرة على محيطاتها الإقليمية وربحت معركتها الجيواستراتيجية مع الولايات المتحدة فإن تأثيرها في المنظومة الدولية سيكون تحصيل حاصل. وفي هذه الحالة لن تحتاج إلى التفاوض مع الروس والرضوخ لمطالبهم من أجل تشكيل تحالف استراتيجي معارض للولايات المتحدة. وعلى الأرجح، إذا استمرت الأزمة السياسية في الولايات المتحدة حتى بعد 2020 فإن كل هذا الذي ورد سيكون قابل للتنفيذ وستقوم الدومينو بالانقضاض على ما تبقى من دور للولايات المتحدة في الباسيفيك؛ وهذا سيكون المتنفس لدور امبراطوري ياباني جديد ودور صيني عالمي. أما إذا تعاملت الولايات المتحدة مع أزماتها السياسية فإن الصين سيكون عليها المثابرة باتجاه أهدافها التي لن تتأتى بسهولة في تلك الحالة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
اترك تعليقاً